الأنبياء 69 لذلك قال العلماء لو أن الأمر كان للنار كُوني برداً وفقط لتحولتْ عليه برداً قاتلاً ربما أشد من النار. ثم إن هذا الابتلاء وقع لإبراهيم عليه السلام في نفسه وهو صغير والإنسان قبل أنْ يكون له ولد يكون كل حظه في نفسه، فإنْ رُزق الولد انتقل حظّه إلى ولده فيحبه أكثر من حُبه لنفسه، ويتمنى أن يُعوِّض في ولده ما لم يستطعه في نفسه، لذلك يقولون إن الإنسان لا يحب أن يكون أحدٌ أفضل منه إلا ولده، إذن عصبية الإنسان في حبه لولده أكثر من عصبيته لنفسه. وسيدنا إبراهيم - عليه السلام - بعد أن نجح في الابتلاء في النفس ابتلاه الله في الولد، وتعلمون أن سيدنا إبراهيم رزقه الله بالولد على كِبَر وبعد يأس من الإنجاب، فجاء إسماعيل على شوق من إبراهيم حتى إذا شَبَّ الولد وبلغ مبلغ السعي مع أبيه يأتيه الأمر من السماء أنْ يذبحه، وجاء هذا الأمر في صورة رؤيا، والرؤيا تحتمل التأويل، لكن إبراهيم عليه السلام لم يؤولها، وأخذها على الحقيقة.
وهذا الابتلاء في الحقيقة ينطوي على ابتلاءات أربع الأول أن يذبح الولد الذي جاءه على كِبَر وبعد طول انتظار. الثاني ألاّ يذبحه شخص آخر فيكون غريماً لإبراهيم عليه السلام. الثالث أنْ يذبحه هو بيده الرابع أنْ يشرك ولده معه في الابتلاء وألاَّ يأخذه على غِرَّة. ذلك أن إبراهيم عليه السلام لما هَمَّ بتنفيذ ما أُمِرَ به لم يُرِدْ أنْ يأخذ ولده غِرَّة لِعدْة أمور أولاً حتى لا يُتَّهم بالقسوة والغلظة. ثانياً لكي لا تتغير خواطر الولد نحو والده فيتهمه بما لا يليق. ثالثاً ليشركه ولده معه في الابتلاء وفي الثواب، وفي الرضا بقضاء الله لذلك قال له
{يبُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى}
الصافات 102. فكأنه يأخذ رأيه في الموضوع
{قَالَ يأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ ..}
الصافات 102 ولم يقل مثلاً افعل ما تريد، فالأمر انصياع وخضوع لأمر الله
{سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}
الصافات 102. وهكذا اشترك الاثنان في الرضا، وفي الصبر، وفي الجزاء وخطفَ إسماعيلُ الفوز في الابتلاء في آخر الشوط لذلك قال تعالى
{فَلَمَّا أَسْلَمَا}
الصافات 103 الولد وأبوه
{وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}
الصافات 103 يعني هَمَّ بذبحه، أو كاد يفعل