(إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) الذين شاء أن
يسمعهم هم المؤمنون الذين أوجد لهم صفات الإيمان من روحهم الذي أيدهم به
(وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) إثبات أن الكفار أموات، وإنما يجب
الوصف بهذا للكفار الذين في علم الله، أنه لا يجيبهم بروح الإيمان أبدًا، نعوذ بالله
من درك الشقاء، لذلك قال والله أعلم بما ينزل: (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ(23) . كما
قال: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ(40) .
أتبعِ ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ
مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ... (27) . إلى قوله: (عَزِيزٌ غَفُورٌ(28) . هذا مثل ضربه -
جل شكره - ليعلم به أنه لم يرد أن يهدي العباد كلهم وهو الواحد الأحد الطاهر
المطهر القدوس خلق كل شيء، جعل على ذلك الماء آية واحدًا في نفسه، طاهرًا
مطهرًا، عذبًا فراتًا، أنزله إلى الأرض، ثم صرفه إلى ما صرفه إليه من نبات محمود
ومذموم، وحيوان وأناسي، كذلك وخلق أيضًا - وهو الواحد الأحد - الأرض
والجبال فيها القطع المختلفات، والجدد البيض والحمر والسود والغبر، والخبيث
والطيب، ويعلم بذلك أن كل وجود فعن إيجاده، وكل كثرة فعن وحدته، أوجد ذلك
بجوده، وأتقنه بحكمته لحكمة له في ذلك عن وجوده العلي ظاهرة بقدرته القاهرة.
يقول - عز وجل - لرسوله ولمن توجه إليه بخطابه من أولي الألباب من عباده:(أَلَمْ تَرَ
أَنَّ اللَّهَ)واحد أحد (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) موحدًا طاهرًا مطهرًا إلى الأرض
فازدواجًا زائدًا إلى ما كان علق بذلك من معنى الفتح والفيح في هواء الأجواء،
وأخرج عن ذلك ما شابه ما عنه وجد أزواجًا من نبات شتى، ومن(ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا
أَلْوَانُهَا)ومن جنات معروشات وغير معروشات، ومن خبيث وطيب،
وغاذٍ وقاتل، إلى غير ذلك مما في الأرض والجبال والحيوان والأناسي من مختلف
الألوان والأشكال والأرايح والمنافع والمضار، والأخلاق والملل والنحل