وذكر أبو عمر عن القاسم بن محمد أنه جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم:"لا أحسنه فجعل الرجل يقول إني دفعت إليك لا أعرف غيرك فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي والله لا أحسنه فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيت في مجلس أبيك مثل اليوم فقال القاسم: والله لئن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا أعلم".
وذكر أبو عمر عن ابن عيينة وسحنون:"أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما".
وكان مالك بن أنس يقول:"من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة أو النار وكيف يكون خلاصه في الآخرة".
سئل عن مسألة فقال:"لا أدري"
فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب وقال:"ليس في العلم شيء خفيف ألم تسمع قوله جل ثناؤه: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} "
فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة.
(فصل)
اعلمْ أن من نَالَ شَيْئا من شرف الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِنَّمَا ناله بِالْعلمِ.
وتأمل مَا حصل لآدم من تميزه على الْمَلَائِكَة واعترافهم لَهُ بتعليم الله لَهُ الأسماء كلهَا، ثمَّ مَا حصل لَهُ من تدارك الْمُصِيبَة والتعويض عَن سُكْنى الْجنَّة بِمَا هُوَ خير لَهُ مِنْهَا بِعلم الْكَلِمَات الَّتِي تلقاها من ربه.
وَمَا حصل ليوسف من التَّمْكِين فِي الأرض والعزة وَالْعَظَمَة بِعِلْمِهِ بتعبير تِلْكَ الرُّؤْيَا، ثمَّ علمه بِوُجُوه اسْتِخْرَاج أخيه من إخْوَته بِمَا يقرونَ بِهِ ويحكمون هم بِهِ حَتَّى آل الأمر إلى مَا آل إليه من الْعِزّ وَالْعَاقبَة الحميدة، وَكَمَال الْحَال الَّتِي توصل إليها بِالْعلمِ، كَمَا أشار إليها سُبْحَانَهُ فِي قَوْله {كَذَلِك كدنا ليوسف مَا كَانَ ليَأْخُذ أخاه فِي دين الْملك إِلَّا أن يَشَاء الله نرفع دَرَجَات من نشَاء وَفَوق كل ذِي علم عليم}
جَاءَ فِي تَفْسِيرهَا نرفع دَرَجَات من نشَاء بِالْعلمِ كَمَا رفعنَا دَرَجَة يُوسُف على إخوته بِالْعلمِ.
وَقَالَ فِي إِبْرَاهِيم {وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه نرفع دَرَجَات من نشَاء}
فَهَذِهِ رفْعَة بِعلم الْحجَّة، والأول رفْعَة بِعلم السياسة.
وَكَذَلِكَ مَا حصل للخضر بِسَبَب علمه من تلمذة كليم الرَّحْمَن لَهُ وتلطفه مَعَه فِي السُّؤَال حَتَّى قَالَ {هَل أتبعك على أن تعلمن مِمَّا علمت رشدا}