وَلا يَخْفَى فَضْلُ الْعِلْمِ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ، لأَنَّهُ الْوَسِيلَةُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ وَسَبَبُ الْخُلُودِ فِي النَّعِيمِ الدَّائِمِ، وَلا يُعْرَفُ التَّقَرُّبُ إِلَى الْمَعْبُودِ إِلا بِهِ، فَهُوَ سَبَبٌ لِمَصَالِحِ الدَّارَيْنِ.
قَالَ الْحَسَنُ: لَوْلا الْعُلَمَاءُ لَصَارَ النَّاسُ مِثْلَ الْبَهَائِمِ. وَقَالَ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ: كِتَابَةُ حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ.
وَكَيْفَ لا يَقُولُ هَذَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"يُوزَنُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ مَعَ دَمِ الشُّهَدَاءِ فَيَرْجَحُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دَمِ الشُّهَدَاءِ".
وَمِنْ آدَابِ الْعَالِمِ: أَنْ يَتْرُكَ فُضُولَ الدُّنْيَا لِيَتَّبِعَهُ النَّاسُ، فَإِنَّ الاسْتِدْلالَ بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنَ الاسْتِدْلالِ بِالْقَوْلِ، فَإِنَّ الطَّبِيبَ إِذَا أَمَرَّ الْحِمْيَةَ ثُمَّ خَلَطَ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هَمَّامٍ الْكَلاعِيِّ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ مَرَّ
بِبَعْضِ الْقُرَّاءِ عَلَى بَعْضِ أَبْوَابِ السَّلاطِينِ فَقَالَ: أَقْرَحْتُمْ جِبَاهَكُمْ وَفَرْطَحْتُمْ نِعَالَكُمْ وَجِئْتُمْ بِالْعِلْمِ تَحْمِلُونَهُ عَلَى رِقَابِكُمْ إِلَى أَبْوَابِهِمْ فَزَهَدُوا فِيكُمْ؟ أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ جَلَسْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يُرْسِلُونَ إِلَيْكُمْ لَكَانَ أَعْظَمَ لَكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ، تَفَرَّقُوا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ أَعْضَائِكُمْ!
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الزَّبَانِيَةَ إِلَى فَسَقَةِ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ أَسْرَعُ مِنْهُمْ إِلَى عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَالُنَا يَتَقَدَّمُونَ إِلَيْنَا؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ مَنْ يَعْلَمُ كَمَنْ لا يَعْلَمُ!