ولولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه ولكان كل كامل خائفاً محتقراً لعمله حذراً من التقصير في شكر ما أنعم عليه.
وفهم هذا المشروح ينكس رأس الكبر. ويوجب مساكنه الذل. فتأمله فإنه أصل عظيم.
(فصل فِي فَضَائِلِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ)
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ".
وَهَذَا الْمَثَلُ مِنْ أَوْقَعِ الْمِثَالِ، لأَنَّ طُرُقَ التَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ بِالآخِرَةِ لا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ، وَالْعُلَمَاءُ هُمُ الأَدِلاءُ فَإِذَا فُقِدُوا ضَلَّ السَّالِكُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لم يبق عالم اتخذ العباد رؤوسا جُهَّالا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا"
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ بِسَنَدِهِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِمَا يَطْلُبُ".
وَذَكَرَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعْنَى وَضْعِهَا أَجْنِحَتَهَا ثَلاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا بَسْطُ الأَجْنِحَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّوَاضُعَ لِطَالِبِ الْعِلْمِ.
وَالثَّالِثُ: النُّزُولُ عِنْدَ مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَتَرْكُ الطَّيَرَانِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى إِلا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلائِكَةُ".