وقوله تعالى {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ...} [الروم: 27] الحقيقة ليس في الأمور بالنسبة لله تعالى هَيِّن وأهون ، إنما في عُرْفنا نحن ، وليُقرِّب لنا الحق سبحانه فَهْم المسائل ، وإلا فالحق سبحانه لا يعالج الأمور ولا يزاولها كما نعالجها نحن ، وإنما يفعل سبحانه بكُنْ فيكون .
لذلك لما نتأمل قَوْل مريم عليها السلام لما بشَّرتها الملائكة بالمسيح قالت: {رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ...} [آل عمران: 47] فكيف فهمتْ مريم هذه المسألة ، ومَنْ أخبرها بأن الولد سيكون دون أن يمسَّها بشر؟
لقد فهمت مريم هذا من قول الملائكة {إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ ...} [آل عمران: 45] . فلو كان له أبٌ لذكرته الملائكة ، وما داموا قد نسبوه إلى أمه فلا أب له .
ثم يقول سبحانه: {وَلَهُ المثل الأعلى فِي السماوات والأرض ...} [الروم: 27] له المثل الأعلى يعني: أن الله تعالى لا مثيل له ، فإنْ شابهه سبحانه شيء من خَلْقه في صفة من الصفات فخُذْها في إطار التقريب للمعنى ، وفي إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...} [الشورى: 11] فلك وجود لله تعالى وجود ، لكن وجودك ليس كوجود الله ، أنت حَيٌّ والله حَيٌّ ، لكن حياتك ليست كحياته عز وجل . . وهكذا .
وقوله {المثل الأعلى ...} [الروم: 27] نقول: عالٍ وأعلى ، فهي أفعل تفضيل بمعنى: الذي لا يُشابه ولا يُضاهي ؛ لذلك يقول سبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...} [الشورى: 1] فينفي أن يوجد شبيه لمثل الله لا شبيه لله ؛ لأن الكاف هنا بمعنى: مثل . فكأنك قلت: ليس مِثْل مِثْله شيء .
وطريقة العرب في الأداء في مسألة المشابهة يقولون: زيد مثل الأسد في الشجاعة ، فأنت تريد أن تعطيني صورة لشجاعة زيد ، فذكرت أوضح شيء لهذه الصفة وهو الأسد ، فهو مُشبَّه به .