فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ، ثُمَّ نُبَيِّنُ الصَّوَابَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ كَلَامٌ مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْعُمُومِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، وَمَعْنَاهُ: كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ فِي الْحَيَاةِ وَالْبَقَاءِ وَالْمَوْتِ، وَالْفَنَاءِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ عَصَاهُ بَعْضُهُمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: كُلٌّ لَهُ قَانِتُونُ بِإِقْرَارِهِمْ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ وَخَالِقُهُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ عَلَى الْخُصُوصِ، وَالْمَعْنَى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ مَلِكٍ وَعَبْدٍ مُؤْمِنٍ لِلَّهِ مُطِيعٍ دُونَ غَيْرِهِمْ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} قَالَ: كُلٌّ لَهُ مُطِيعُونَ. الْمُطِيعُ: الْقَانِتُ، قَالَ: وَلَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ مُطِيعٌ، إِلَّا ابْنَ آدَمَ، وَكَانَ أَحَقُّهُمْ أَنْ يَكُونَ أَطْوَعَهُمْ لِلَّهِ".
وَفِي قَوْلِهِ {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} قَالَ: هَذَا فِي الصَّلَاةِ، لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ كَمَا يَتَكَلَّمُ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَمْشِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: وَيَتَقَابَلُونَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: لِكَيْ تَذْهَبَ الشَّحْنَاءُ مِنْ قُلُوبِنَا وَتَسْلَمَ قُلُوبُ بَعْضِنَا لِبَعْضٍ، فَقَالَ اللَّهُ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} لَا تَزُولُوا كَمْ يَزَولُونَ. قَانِتِينَ: لَا تَتَكَلَّمُوا كَمَا يَتَكَلَّمُونَ. قَالَ: فَأَمَّا مَا سِوَى هَذَا كُلُّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْقُنُوتِ فَهُوَ الطَّاعَةُ، إِلَّا هَذِهِ الْوَاحِدَةَ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ خَلْقٍ لِلَّهِ مُطِيعٍ فِي تَصَرُّفِهِ فِيمَا أَرَادَ تَعَالَى ذِكْرَهُ مِنْ حَيَاةٍ وَمَوْتٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَصَاهُ فِيمَا يَكْسِبُهُ بِقَوْلِهِ، وَفِيمَا لَهُ السَّبِيلُ إِلَى اخْتِيَارِهِ وَإِيثَارِهِ عَلَى خِلَافِهِ.