قالوا: لأن النهار محلُّ الرؤية والبصر ، أما الليل فلا بصرَ فيه ، فيناسبه السمع ، والأذن هي الوسيلة التي تؤدي مهمتها في الليل عندما لا تتوفر الرؤية .
وفي موضع آخر: {وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} [الفرقان: 62] فالليل يخلُف النهار ، والنهار يخلُف الليل ، هذا في الزمن العادي الذي نعيشه ، أما في بدْء الخَلْق فأيهما كان أولاً ، ثم خلفه الآخر؟
فإنْ قلت: إن الليل جاء أولاً ، فالنهار بعده خِلْفة له ، لكن الليل في هذه الحالة لا يكون خِلفة لشيء ، والنص السابق يوضح أن كلاً منهما خِلْفة للآخر ، إذن: فما حَلُّ هذا اللغز؟
مفتاح هذه المسألة يكمن في كروية الأرض ، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر في بداية البعثة بهذه الحقيقة لما صدَّقوه ، كيف ونحن نرى مَنْ ينكر هذه الحقيقة حتى الآن .
والحق - سبحانه وتعالى - لا يترك قضية كونية كهذه دون أنْ يمسَّها ولو بلُطْف وخِفة ، حتى إذا ارتقت العقول تنبهتْ إليها ، فلو أن الأرض مسطوحة وخلقَ الله تعالى الشمس في مواجهة الأرض لاستطعنا أنْ نقول: إن النهار جاء أولاً ، ثم عندما تغيب الشمس يأتي الليل ، أما إنْ كانت البداية خلْق الأرض غير مواجهة للشمس ، فالليل في هذه الحالة أولاً ، ثم يعقبه النهار ، هذا على اعتبار أن الأرض مسطوحة .
وما دام أن الخالق - عز وجل - أخبر أن الليل والنهار كل منهما خِلْفة للآخر ، فلا بُدَّ أنه سبحانه خلق الأرض على هيئة بحيث يوجد الليل ويوجد النهار معاً ، فإذا ما دارت دورة الكون خلف كل منهما الآخر ، ولا يتأتّى ذلك إلا إذا كانت الأرض مُكوَّرة ، فما واجه الشمس منها صار نهاراً ، وما لم يواجه الشمس صار ليلاً .
لذلك يقول سبحانه في آية أخرى: {لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .