وفي الآية الأخرى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} [القصص: 73] ثم قال {وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [القصص: 73] ولم يقل (فيه) ويجب هنا أنْ نتنبه ، فهذه آية كونية أن يكون الليل للنوم والسكون والراحة ، والنهار للعمل وللحركة ، فلا مانع أن نعمل بالليل أيضاً ، فبعض الأعمال لا تكون إلا بليل ، كالحراس ورجال الأمن والعسس والخبازين في المخابز وغيرهم ، وسكن هؤلاء يكون بالنهار ، وبهذا الفهم تتكامل الآيات في الموضوع الواحد .
إذن: فقوله تعالى: {وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ ...} [الروم: 23] يعني: طلب الرزق والسَّعْي إليه يكون في النهار ويكون في الليل ، لكن جمهرة الناس يبتغونه بالنهار ويسكنون بالليل ، والقلة على عكس ذلك .
فإنْ قلتَ: هذا عندنا حيث يتساوى الليل والنهار ، فما بالك بالبلاد التي يستمر ليلها مثلاً ثلاثة أشهر ، ونهارها كذلك ، نريد أن نفسر الآية على هذا الأساس ، هل يعملون ثلاثة أشهر وينامون ثلاثة أشهر؟ أم يجعلون من أشهر الليل ونهاراً ، ومن أشهر النهار أيضاً ليلاً ونهاراً؟ لا مانع من ذلك ؛ لأن الإنسان لا يخلو من ليل للراحة ، ونهار للعمل أو العكس ، فكل من الليل والنهار ظرف للعمل أو للراحة .
لذلك ، فالحق - تبارك وتعالى - يمتنُّ علينا بتعاقُب الليل والنهار ، فيقول سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} [القصص: 71] وذيَّل الآية بأفلا تسمعون {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ} [القصص: 72] .