يتلو هذا مما يشهد بأول اعتبار مما لاتكل عنه البصائر والأبصار، وتأمل لطف دعائه سبحانه الخلق إلى عبادته في قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) (البقرة: 21) إلى قوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) (البقرة: 22) إلى أشباه هذه، فلما كان هذا الضرب من الاعتبار يحصل بأوله المقصود لكل أحد قال تعالى:(إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) (الروم: 22) ، فوضح تناسب هذا الختام، ولاح التلاحم والالتئام.
ولما كان أمر الليل والنهار منصوصاً على رحمة الخلائق بهما في عدة آيات بقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (الإسراء: 12) ، وقوله: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) (غافر: 61) ، وقوله: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) (النبأ: 10 - 11) ، إلى غير هذه من الآيات، فتحصل من مجموعها وفاء الاعتبار بهما وما فيهما، ومستند ذلك المحرك للاعتبار به السماع والأخبار الواردة به أعقب بقوله: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (الروم: 23) .
وأما إراءته سبحانه البرق خوفاً وطمعاً، وإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، فلا تحصل ثمرة الاعتبار به إلا لمن أطال الاعتبار وأمعن النظر وبالغ في ذلك، ولما كان حصول الثمرة المطلوبة هنا يتوقف على ما ذكر أعقب بقوله: (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) . انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 398 - 399}