{فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه. إنهم كانوا قوماً فاسقين} ..
وإذن فهي الرسالة إلى فرعون وملئه. وإذن فهو الوعد الذي تلقته أم موسى وهو طفل رضيع: {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} .. الوعد اليقين الذي انقضت عليه السنون. وعد الله لا يخلف الله وعده وهو أصدق القائلين.
هنا يتذكر موسى أنه قتل منهم نفساً ، وأنه أخرج من بينهم طريداً ، وأنهم تآمروا على قتله فهرب منهم بعيداً. وهو في حضرة ربه. وربه يكرمه بلقائه ، ويكرمه بنجائه ، ويكرمه بآياته ، ويكرمه برعايته ، فما له لا يحتاط لدعوته خيفة أن يقتل فتنقطع رسالته:
{قال: رب إن قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون} ..
يقولها لا ليعتذر ، ولا ليتقاعس ، ولا لينكص ؛ ولكن ليحتاط للدعوة ، ويطمئن إلى مضيها في طريقها ، لو لقي ما يخاف.
وهو الحرص اللائق بموسى القوي الأمين:
{وأخي هارون هو أفصح مني لساناً ، فأرسله معي ردءاً يصدقني ، إني أخاف أن يكذبون} .
إن هارون أفصح لساناً فهو أقدر على المنافحة عن الدعوة. وهو ردء له معين ، يقوي دعواه ، ويخلفه إن قتلوه.
وهنا يتلقى موسى الاستجابة والتطمين:
{قال: سنشد عضدك بأخيك ، ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما. بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون} ..
لقد استجاب ربه رجاءه ؛ وشد عضده بأخيه. وزاده على ما رجاه البشارة والتطمين: {ونجعل لكما سلطاناً} .. فهما لن يذهبا مجردين إلى فرعون الجبار. إنما يذهبان إليه مزودين بسلطان لا يقف له في الأرض سلطان ؛ ولا تنالهما معه كف طاغية ولا جبار: {فلا يصلون إليكما} .. وحولكما من سلطان الله سياج ، ولكما منه حصن وملاذ.
ولا تقف البشارة عند هذا الحد. ولكنها الغلبة للحق. الغلبة لآيات الله التي يجبهان بها الطغاة. فإذا هي وحدها السلاح والقوة ، وأداة النصر والغلبة: {بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون} .