إنها المفاجأة التي لم يستعد لها ؛ مع الطبيعة الانفعالية ، التي تأخذها الوهلة الأولى.. {ولى مدبراً ولم يعقب} ولم يفكر في العودة إليها ليتبين ماذا بها ؛ وليتأمل هذه العجيبة الضخمة. وهذه هي سمة الانفعاليين البارزة تتجلى في موعدها!
ثم يستمع إلى ربه الأعلى:
{يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} ..
إن الخوف والأمن يتعاقبان سريعاً على هذه النفس ، ويتعاورانها في مراحل حياتها جميعاً. إنه جو هذه الحياة من بدئها إلى نهايتها ؛ وإن هذا الانفعال الدائم المقصود في تلك النفس ، مقدر في هذه الحياة ، لأنه الصفحة المقابلة لتبلد بني إسرائيل ، ومرودهم على الاستكانة ذلك الأمد الطويل. وهو تدبير القدرة وتقديرها العميق الدقيق.
{أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} ..
وكيف لا يأمن من تنقل يد القدرة خطاه ، ومن ترعاه عين الله؟
{اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} ..
وأطاع موسى الأمر ، وأدخل يده في فتحة ثوبه عند صدره ثم أخرجها. فإذا هي المفاجأة الثانية في اللحظة الواحدة. إنها بيضاء لامعة مشعة من غير مرض ، وقد عهدها أدماء تضرب إلى السمرة. إنها إشارة إلى إشراق الحق ووضوح الآية ونصاعة الدليل.
وأدركت موسى طبيعته. فإذا هو يرتجف من رهبة الموقف وخوارقه المتتابعة. ومرة أخرى تدركه الرعاية الحانية بتوجيه يرده إلى السكينة. ذلك أن يضم يده على قلبه ، فتخفض من دقاته ، وتطامن من خفقاته:
{واضمم إليك جناحك من الرهب} ..
وكأنما يده جناح يقبضه على صدره ، كما يطمئن الطائر فيطبق جناحه. والرفرفة أشبه بالخفقان ، والقبض أشبه بالاطمئنان. والتعبير يرسم هذه الصورة على طريقة القرآن.
والآن وقد تلقى موسى ما تلقى ، وقد شاهد كذلك ما شاهد ، وقد رأى الآيتين الخارقتين ، وقد ارتجف لهما ثم اطمأن.. الآن يعرف ما وراء الآيات ، والآن يتلقى التكليف الذي كان يعد من طفولته الباكرة ليتلقاه..