هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه ، ومن التلقي والتجريب ، قبل النداء وقبل التكليف.. تجربة الرعاية والحب والتدليل. وتجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظ الحبيس ، وتجربة الندم والتحرج والاستغفار. وتجربة الخوف والمطاردة والفزع. وتجربة الغربة والوحدة والجوع. وتجربة الخدمة ورعي الغنم بعد حياة القصور. وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من شتى التجارب الصغيرة ، والمشاعر المتباينة ، والخوالج والخواطر ، والإدراك والمعرفة.. إلى جانب ما آتاه الله حين بلغ أشده من العلم والحكمة.
إن الرسالة تكليف ضخم شاق متعدد الجوانب والتبعات ؛ يحتاج صاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة والتذوق في واقع الحياة العملي ، إلى جانب هبة الله اللدنية ، ووحيه وتوجيهه للقلب والضمير.
ورسالة موسى بالذات قد تكون أضخم تكليف تلقاه بشر عدا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر ، أعتى ملوك الأرض في زمانه ، وأقدمهم عرشاً ، وأثبتهم ملكاً ، وأعرقهم حضارة. وأشدهم تعبداً للخلق واستعلاء في الأرض.
وهو مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا من كؤوس الذل حتى استمرأوا مذاقه ، فمردوا عليه واستكانوا دهراً طويلاً. والذل يفسد الفطرة البشرية حتى تأسن وتتعفن ؛ ويذهب بما فيها من الخير والجمال والتطلع ومن الاشمئزاز من العفن والنتن والرجس والدنس. فاستنقاذ قوم كهؤلاء عمل شاق عسير.
وهو مرسل إلى قوم لهم عقيدة قديمة ؛ انحرفوا عنها ، وفسدت صورتها في قلوبهم. فلا هي قلوب خامة تتقبل العقيدة الجديدة ببراءة وسلامة ؛ ولا هي باقية على عقيدتها القديمة.
ومعالجة مثل هذه القلوب شاقة عسيرة. والالتواءات فيها والرواسب والانحرافات تزيد المهمة مشقة وعسراً.
وهو في اختصار مرسل لإعادة بناء أمة ، بل لإنشائها من الأساس. فلأول مرة يصبح بنو إسرائيل شعباً مستقلاً ، له حياة خاصة ، تحكمها رسالة. وإنشاء الأمم عمل ضخم شاق عسير.