ذلك شأن موسى. فما بال أمه الوالهة وقلبها الملهوف؟
{وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً. إن كادت لتبدي به. لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين. وقالت لأخته: قصيه} ..
لقد سمعت الإيحاء ، وألقت بطفلها إلى الماء. ولكن أين هو يا ترى وماذا فعلت به الأمواج؟ ولعلها سألت نفسها: كيف؟ كيف أمنت على فلذة كبدي أن أقذف بها في اليم؟ كيف فعلت ما لم تفعله من قبل أُمٌ؟ كيف طلبت له السلامة في هذه المخافة؟ وكيف استسلمت لذلك الهاتف الغريب؟
والتعبير القرآني يصور لنا فؤاد الأم المسكينة صورة حية: {فارغاً} .. لا عقل فيه ولا وعي ولا قدرة على نظر أو تصريف!
{إِن كادت لتبدي به} .. وتذيع أمرها في الناس ، وتهتف كالمجنونة: أنا أضعته. أنا أضعت طفلي. أنا ألقيت به في اليم اتباعاً لهاتف غريب!
{لولا أن ربطنا على قلبها} .. وشددنا عليه وثبتناها ، وأمسكنا بها من الهيام والشرود.
{لتكون من المؤمنين} .. المؤمنين بوعد الله ، الصابرين على ابتلائه ، السائرين على هداه.
ولم تسكت أم موسى عن البحث والمحاولة!
{وقالت لأخته: قصيه} .. اتبعي أثره ، واعرفي خبره ، إن كان حياً ، أو أكلته دواب البحر أو وحوش البر.. أو أين مقره ومرساه؟
وذهبت أخته تقص أثره في حذر وخفية ، وتتلمس خبره في الطرق والأسواق. فإذا بها تعرف أين ساقته القدرة التي ترعاه ؛ وتبصر به عن بعد في أيدي خدم فرعون يبحثون له عن ثدي للرضاع:
{فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون. وحرمنا عليه المراضع من قبل. فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون؟} ..