نعم! ولكنها القدرة تتحدى. تتحدى بطريقة سافرة مكشوفة. تتحدى فرعون وهامان وجنودهما. إنهم ليتتبعون الذكور من مواليد قوم موسى خوفاً على ملكهم وعرشهم وذواتهم. ويبثون العيون والأرصاد على قوم موسى كي لا يفلت منهم طفل ذكر.. فها هي ذي يد القدرة تلقي في أيديهم بلا بحث ولا كد بطفل ذكر. وأي طفل؟ إنه الطفل الذي على يديه هلاكهم أجمعين! ها هي ذي تلقيه في أيديهم مجرداً من كل قوة ومن كل حيلة ، عاجزاً عن أن يدفع عن نفسه أو حتى يستنجد! ها هي ذي تقتحم به على فرعون حصنه وهو الطاغية السفاح المتجبر ، ولا تتعبه في البحث عنه في بيوت بني إسرائيل ، وفي أحضان نسائهم الوالدات!
ثم ها هي ذي تعلن عن مقصدها سافرة متحدية:
{ليكون لهم عدواً وحزناً} .
ليكون لهم عدواً يتحداهم وحزناً يدخل الهم على قلوبهم:
{إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} ..
ولكن كيف؟ كيف وها هو ذا بين أيديهم ، مجرداً من كل قوة ، مجرداً من كل حيلة؟ لندع السياق يجيب:
{وقالت امرأة فرعون: قرة عين لي ولك ، لا تقتلوه ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ؛ وهم لا يشعرون} ..
لقد اقتحمت به يد القدرة على فرعون قلب امرأته ، بعد ما اقتحمت به عليه حصنه. لقد حمته بالمحبة.
ذلك الستار الرقيق الشفيف. لا بالسلاح ولا بالجاه ولا بالمال. حمته بالحب الحاني في قلب امرأة. وتحدت به قسوة فرعون وغلظته وحرصه وحذره.. وهان فرعون على الله أن يحمي منه الطفل الضعيف بغير هذا الستار الشفيف!
{قرة عين لي ولك} ..
وهو الذي تدفع به القدرة إليهم ليكون لهم فيما عدا المرأة عدواً وحزناً! {لا تقتلوه} ..
وهو الذي على يده مصرع فرعون وجنده!
{عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً} ..
وهو الذي تخبئ لهم الأقدار من ورائه ما حذروا منه طويلاً!
{وهم لا يشعرون} ..
فيا للقدرة القادرة التي تتحداهم وتسخر منهم وهم لا يشعرون!
وينتهي المشهد الثاني ويسدل الستار عليه إلى حين.