ويذهب بعض الباحثين إلى أن من الممكن جداً أن تكون قصة أستير في الأصل أسطورة بابلية أخذها اليهود وحرّفوها لتوائم أغراضهم: فهامان اسم أحد الآلهة العيلاميين، ومرد كاي اسم إله كلدانى، أما اسم أستير فليس ببعيد أن يكون تحويراً للإلهة عشتار، التي يُنْطَلق اسمها أيضاً"أشتار"و"عشتروت".
لهذا كله نستغرب أن يُقْدِم ذلك الأحمق على التهكم بالقرآن الكريم وليس في يده من دليل إلا هذا الهراء الذي سطّره مؤلف سفر"أستير"، زاعماً إنه تاريخ وثيق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
على أن هناك برهاناً آخر في غاية الأهمية يؤكد هذا الذي قلناه في المقارنة بين ما جاء في القرآن الكريم والعهد العتيق عن هامان، هو إنه ما من مرة قارناً فيها بين الكتابين إلا واتضح بجلاء تام أن الحق في صف القرآن.
ولنأخذ مثلاً الملاحظات التالية التي سأحصرها في قصة موسى وهارون لصلتها بهامان: فالعهد العتيق يقول إن أم موسى قد وضعت وليدها في التابوت (أو"السَّفَط"كما يسمونه) وظلت تحمله إلى أن وصلت قبالة قصر فرعون فوضعته بين الحَلْفاء حيث عثرت عليه ابنة فرعون فأخذته. أي أن التابوت لم يوضع في الماء رغم أن كاتب سفر"الخروج"يقول إن أم موسى قد طلت السَّفَط بالزفت والحُمَر بما يدل على أنها قد أعدَتْه لتضعه في النهر ورغم أنه ابنة فرعون تقول بعد ذلك بأسطر قليلة إنها انتشلته من الماء، أما القرآن الكريم فقد ذكر منذ البداية أن التابوت قد وُضِع في الماء قولاً واحداً.
كذلك فالعهد العتيق ينسب إلى موسى عليه السلام قَتْل المصري عن عمد وقسوة، على حين يؤكد القرآن إنه كان قتلاً خطأ لم يقصده موسى، بل كانت نيته ردع الظالم عن بَغْيه على الضعيف، وهذا هو الأليق بأخلاق من اصطفاه الله وربّاه على عينه كي يجعل منه رسولاً، أما ما قاله ملفَّق سِفْر"الخروج"فهو اشبه ما يكون بطبائع عتاة المجرمين أصحاب القلوب الجاسية التي لا تعرف الرحمة ولا الندم.
وبالنسبة لمعجزة اليد فإن العهد العتيق يؤكد أن يد موسى، عند وَعْه إياها فب عُبةً ثم إخراجها، كانت تستحيل"برصاء كالثلج"، أما القرآن فيقول إنها كانت تصير"بيضاء من غير سوء".