إنّ أول مظهر يتجلى فيه البعد الغيبي في قصة فرعون هو الربط بين الأحداث وسلوك النّاس مع ربهم، فليس هناك حدث إلاّ وهو مرتبط بطبيعة علاقة النّاس مع الله، فالعقوبات التي أنزلها الله على فرعون وآله وقومه ما هي إلاّ انعكاس لتلك العلاقة، يقول تعالى:''فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليمّ بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين''، فكل مأساة تُصيب البشر فبما كسبت أيديهم ويعفوا عن كثير، يقول تعالى:''وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن
كثير''، (أيُّ مصيبة كانت من مصائب الدنيا كالمرض وسائر النكبات فبما كسبت أيديكم أي معاصيكم التي اكتسبتموها) ؛ ذلك أنّ العقوبة دليل على سوء علاقة المُعاقب مع الله، وهي في ذات الوقت تحذير للمذنب كي يعود إلى الله ويراجع نفسه.
نعم. إذا أراد الله شيئا لم يمنعه شيء، وإذا أراد الله شيئا هيأ له السبب؛ ذلك هو الدرس العظيم المُستفاد من قصة فرعون مع المستضعفين، وهو المعنى المُراد من قوله تعالى:''ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض''، فليس المُراد هو رفع الظلم عنهم بل جعلهم أئمة؛ لأنّ انتصارهم الساحق المبين رغم اختلال موازين القوى الكبير لصالح فرعون يؤكد للنّاس أنّ إرادة الله هي النافذة، ليس في المعركة مع الطواغيت فحسب بل في كلِّ حركة الحياة، وكلّ حركة في الوجود، وذلك هو معنى قوله تعالى:''ثمّ جئت على قدر يا موسى''، وبُعث موسى عليه السلام إلى فرعون ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده .. وسارت الأقدار كما شاء الله لها أن تسير .. ثمّ ما كان من أمر هلاك فرعون وجنده. هناك بعد آخر للمعركة مع الطاغوت يغفل عنه كثير من النّاس، فنحن ستار لقدر لا نعلمه، ولكنّنا نؤمن به ونعلم أنّه الحق، فما من غائبة في السماوات ولا في الأرض إلاّ في كتاب من قبل أن يبرأها الله، وهو عليه جلّ شأنه يسير.