ومع كلّ هذه الحقيقة المطلقة فإنّ الأخذ بالأسباب طاعة واجبة، ولكنّها ليست هي الفاعلة، وإنّما الفاعل الحقيقي في كل شيء هو الله، ومن قال بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالف سنة الأنبياء، كما أنّ الطمأنينة إلى تلك الأسباب والإلتفات إليها بالقلوب انتكاسة خطيرة؛ فإنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا بل السبب والنتيجة فعل الله تعالى، والكل منه وبمشيئته.فلا بدّ إذا من هذا وذاك دون إفراط أو تفريط، فكما كان البعد الغيبي ظاهرا في قصة المواجهة مع فرعون كان الأخذ بالأسباب حاضرا في كل مراحلها.
ثانيا: سنّة أخذ الله للظالمين، وقوله تعالى:''فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين''.
إنّ قدر الله لا يُستعجل فلكل أجل كتاب، ولنا بما حدث لفرعون وقومه عِبَر، حين سلب الله منهم ما خولهم، وانتقم منهم فأغرقهم، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم .. بسبب ظلمهم
واستكبارهم وطغيانهم وعصيانهم وجرائمهم ... يقول تعالى:''إنّ ربك لبالمرصاد''، لا يفوته شيء من أعمال العباد، فمرجع الخلق إلى حكمه وإليه مصيرهم.فهل حذر الناس من التهاون في أمر الله؟ أين انتفاش فرعون وسطوته حين أدركه الغرق، وأحس ببأس الله؟ لقد أعلن الإستسلام في ساعة لا ينفع بها إيمان.
ولمّا أغضبوا الله بالإفراط بالعناد والمعصية كانت سنّة الله التي مضت، فهو يمهل ولا يُهمل. يقول تعالى:''فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين، فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين''، أي جعلناهم متقدمين في الهلاك ليتعظ ويعتبر بهم من بعدهم من الطواغيت إلى يوم القيامة.لقد (ذهب هؤلاء الطغاة الذين كانوا ملئ الأعين والنفوس في هذه الأرض، ذهبوا فلم ييأس على ذهابهم أحد، ولم تشعر بهم سماء ولا أرض، ولم يُنظروا أو يُؤجلوا عندما حل الميعاد:''فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين''، وهو تعبير يلقي ظلال الهوان، كما يلقي ظلال الجفاء .. فهؤلاء الطغاة المتعالون لم يشعر بهم أحد في أرض ولا سماء. ولم يأسف عليهم أحد في أرض ولا سماء) .