ومن الشواهد التي تؤكد لنا استقرار هذا المرض الإجتماعي في عهد فرعون ما ردّ به الملأ من آل فرعون على دعوة موسى عليه السلام، حين قالوا:''أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا
عابدون''.أي (وقومهما من بني إسرائيل لنا عابدون يعنون أنهم لهم مطيعون متذللون يأتمرون لأمرهم ويدينون لهم) ، فالمانع من الإيمان بهما أنّهما من طبقة دون طبقة الملأ من قوم فرعون وآله، وهي ذات القيم التي تذرَّع بها قوم نوح حين قالوا:''أنؤمن لك واتبعك الأرذلون''، أي (الأقلون جاها ومالا) ؛ فتلك هي القيم الرخيصة التي يُفرزها المجتمع الطبقي.
وحتى يكون المجتمع إنسانيا لا بدّ أن يقوم على أساس من العقيدة والفكر والتصور، وهو الأساس الذي يُميّز الإنسان عن البهيمة والأنعام، أي ممّا يقع قي دائرة القدرة على الاختيار فيحاسب الإنسان حينئذ على اختياره. ولكي يكون إنسانيا لا بدّ من تقرير حقيقة مفادها أنّ النّاس كلهم من نفس واحدة، ''يا أيّها النّاس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة''، أي (من هيئة واحدة وشكل واحد) ، تلك الحقيقة التي تُسقط الحدود المصطنعة بين البشر، وتُحطم مفهوم الطبقية من القواعد.
إنّ الإسلام جعل التفاوت بين النّاس بالتقوى، فقال سبحانه:''إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم''، هذا الإعلان الذي أسقط فرق اللون والعرق والقوم ... وفي الحديث''يا أيها الناس ألا إنّ ربكم واحد وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى''.وجعل الإسلام العلاقة بين النّاس تسودها المودة والمحبة وأنكر الشحناء والبغض والأحقاد ... يقول صلى الله عليه وسلم:''لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا''.
وليس معنى هذا أنّ النّاس غير متفاوتين، بل هم متفاوتون بطبيعة الخلق والتكوين والمواهب .. يقول تعالى:''ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا''، أي فاوت بينهم في الخلق والرزق والقوة والبسطة والفضل والعلم والأشكال والألوان .. فخالف الله بينهم