والإستمراء لغة من استمرأ، يُقال: (مرئ الطعام استمرأه) و (وطعام مرئ هنيء) .وأعني بذلك أن يصبح الذلّ مستساغا مستطابا، فلا يشعر المستذل بوجعه ولا ألمه، وهو نتيجة ملازمة لما تعرضت له الجماهير في ظلّ شخصية فرعون من إذلال وقهر متواصل مستمر ومتعدد الوجوه، حتى إنّ القرآن الكريم وصف فرعون بالعذاب المهين وذلك في قوله تعالى:''ولقد نجّينا بني إسرائيل من العذاب المهين، من فرعون، إنّه كان عاليا من المسرفين''.والشاهد في الآية أنّ بني إسرائيل تعرضوا للعذاب المهين، أي المذل لهم، وهو استعبادهم وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم وتسخيرهم وتكليفهم الأعمال الشاقة المتعبة، وكفى بذلك إهانة لهم وإذلالا.
إنّ العيش في ظلّ الطاغوت أمدا طويلا ومعاناة الإرهاب والخوف والملاحقة والمطاردة والسجون أفسد نفوسهم وقلوبهم وطبائعهم، وأدى إلى إنعكاسات نفسية خطيرة حيث تعودوا على هذا الذل وهذه الإهانة فلم يعودوا يفكرون في التمرد عليها، فقد استمرأوا الذل فأصبح في نفوسهم أمرا طبيعيا، ولهذا رفض بنو إسرائيل القتال مع موسى عليه السلام، وقالوها صريحة حين استنفرهم موسى
عليه السلام للجهاد:''اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون''، (فأبوا وخالفوا وفضلوا القعود والاستحذاء على الجلاد والنزول إلى ميادين الجهاد) ، فقد تعود القوم على القعود، فلا همة عندهم ولا عزيمة، وليس عندهم ثقة بأنفسهم، فكل ما يملأ عقولهم وقلوبهم هو الخضوع والخنوع. ولهذا كانت عقوبتهم التيه أربعين سنة، ليخرج جيل آخر لم يتعرض لتلك لحياة المذلة والمهينة التي سببت لهم تلك الانتكاست النّفسية. يقول تعالى:''فإنّها محرمة عليهم، أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين''.وكأنّ الآية الكريمة تشير إلى أنّ ما حدث معهم مرض مزمن لا يمكن التخلص منه إلا بالإستبدال، وتلك سنّة الله''وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثمّ لا يكونوا أمثالكم''، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي عن الجهاد والزهد في الإيمان، ولكن يكونون سامعين مطيعين.