الكذب وسيلة من وسائل فرعون في مواجهته لموسى عليه السلام
وماذا يملك فرعون أمام الحجة والبرهان؟ لقد اتهم موسى - كذبا - بأنّه ساحر، يقول تعالى مخبرا عن قول فرعون:''قال للملأ حوله إنّ هذا لساحر عليم''، وتلك أقرب فرية يُمكن أن يُصدّقها
النّاس في زمن انتشر به السحر، لأنّ الطاغوت في ردّه على الحق لا بدّ أن يُفتش عن فرية شبه معقولة! فإن لم تُقنع النّاس فلا أقل من أن تُدخل الشك إلى قلوبهم.
يلجأ الطاغوت - حين يكذب - إلى أقرب القول، وهو ما أشار إليه الوليد بن المغيرة حين اجتمع مع نفر من قريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم، فقال: (وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضا ويرد قول بعضكم بعضا. فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقوم به. فقال: بل أنتم فقولوا لأسمع. فقالوا: نقول كاهن. فقال: ما هو بكاهن، لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكاهن وسحره. فقالوا: نقول مجنون. فقال: وما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. فقالوا: نقول شاعر. قال: فما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه؛ فما هو بالشعر. فقالوا: نقول ساحر. قال: فما هو ساحر، قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده. فقالوا: ما تقول با أبا عبد شمس؟ قال: والله إنّ لقوله لحلاوة، وإنّ أصله لمعذق، وأنّ فرعه لجني، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وأنّ أقرب القول لأن تقولوا ساحر، فتقولوا هذا ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه وبين المرء وبين أخيه وبين المرء وبين زوجته وبين المرء وعشيرته) .