إنّ سياسة إشغال النّاس ما زالت مستمرة كي لا يكون عندهم وقت للتفكير بالواقع المرّ الذي يعيشونه، وليس شرطا أن يكون إشغالهم بوسائل ترفيهية هابطة تثير أقبح ما في النفس من دوافع وغرائز حيوانية، وتخلق أجيالا كسيحة فحسب، بل تتعدى سياسة الإشغال هذا الشكل إلى ما نسمّيه بخلق الأزمات المستمرة، فيَجِدُ الفرد نفسه يخرج من أزمة ليدخل في أُخرى، فينتقل تفكيره وهمَّه من الهمّ العام إلى الهم والمشكلة الخاصة.
ولنا أن نقرر أن الجهل أرض خصبة ووسط مناسب تنمو فيها الخرافات والتصورات الفاسدة والعقائد الباطلة، وهو البيئة المناسبة لحكم الطواغيت. فأينما حلّ الجهل في قوم أو جماعة تكون القابلية لتلك الخرافات، وتكون القدرة على تسخير النّاس من قبل الطغاة أكثر، لأنّ التجهيل شرط لا بدّ منه لأي حكومة جائرة مستبدة، وقد بدت العداوة والبغضاء بين الطواغيت وبين العلم والوعي لشدة خطورة ذلك على أيّ نظام ظالم.
لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون
إنّ ظلام الجهل لن يزول بغير نور العلم، وتلك هي وظيفة القرآن العظيم، يقول تعالى:''قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين''؛ فالقرآن الكريم (يُوضِّح للنّاس أبين المسالك، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة) ، فتتَّضح المعاني الحقيقية للحياة لمن سار على هداه. فبينما يسيرالنّاس المنقطعون عن القرآن في حيرة واضطراب وتيه تجد أتباع القرآن مدركين لما يدور حولهم، لا تنطلي عليه مناورات الطواغيت وألاعيبهم؛ ذلك بأنّهم حازوا العلم الحق، يقول تعالى:''قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون''. (فالحق منهج واضح، والدين ميزان راجح، والجهل لا يزيد إلا عمى ولا يورث إلا ندما) .
ومن هنا نفهم الاستجهال المعاصر، وهو جعل النّاس يعيشون ويموتون دون أن يُدركوا غاية وجودهم، وتُستعمل لهذا الغرض أجهزة الإعلام الضخمة والهائلة، تبث الفجور وتهبط بالإنسان إلى مرتبة الحيوان! يعيش لشهوته ونزواته وهواه. وتُنشر لتحقيق هذا الغرض أفكار يُسمّونها تقدمية تحررية! ويُنفق في هذا السبيل المليارات. وأطلقوا على حملتهم إسم التنوير!