المحور الثاني: ويتمثل في نشر الخرافات والتصورات الفاسدة، وحقن الجماهير بها بطرق مختلفة، كالسحر والكهانة والشعوذة، باعتبارها أدوات تجهيل للمجتمع؛ حيث غُطِّيَت تلك الأدوات بأردية مقدسة. وقد أولى فرعون هذه الوسيلة إهتماما كبيرا، لأنّ السحر والكهانة جزء من النّظام القائم على تقديس فرعون وإعطائه صفة الألوهية والربوبية. فهم - أي السحرة والكهنة - يسحقون وعي النّاس سحقاً وحشياً، حتى أضحت الجماهير مقيدة العقول! مأسورة في طوق من الخرافات والأوهام والأباطيل، وتلك هي البيئة التي تنمو فيها شخصية فرعون.
وكما كان السحر والكهانة سبب في ظهور شخصية فرعون، فهما أيضا وسيلته المفضلة في تثبيت حكمه ونظامه، ودلّ على ذلك حشده لهم في مباراة مصيرية مع موسى عليه السلام. يقول
تعالى:''وجاء السحرة فرعون، قالوا إنّ لنا لأجرا إن كنّا نحن الغالبين، قال نعم وإنّكم لمن المقربين''. (إنّهم محترفون .. يحترفون السحر كما يحترفون الكهانة! والأجر هو هدف الإحتراف في هذا وذاك! وخدمة السلطان الباطل والطاغوت الغالب هي وظيفة المحترفين من رجال الدين حين يفسدون! فيصبحون أداة طيّعة لتزييف الحقائق باسم أنّهم رجال دين، فيأولون النّصوص بما يخدم الطاغوت، ويبذلون جهدا لاهثا في التّمحل والتزييف) .
وهكذا طواغيت العصر يستعينون بالمأجورين من علماء الدين، فيحرفون الكلم عن مواضعه، ويحرّفونه من بعد مواضعه، فيغيّرون معانيه ليلائم سياسة الحكومة، ويحلون ما حرم الله، وهم بهذا يُزَوِّرُونَ الدّين، ويميّعون ما شرعه الله، ويسكتون - عمدا - عن مخازي الحكومة، بل ويستشهدون بأقوال الحاكم بأمر الشيطان كما لو كانت قرآنا! ثمّ تصبح دروسا يتعلمها التلاميذ في مدارسهم ومعاهدهم؛ فينتشر الجهل ويسود الظلام وتنعدم الرؤية الصحيحة لمعنى الحياة.