(وهنا لا بد من إيمان يرجح هذه المخاوف، ويطمئن القلوب، ويثبتها على الحق الذي تنحاز إليه) ، وذلك هو موقف الصحابة رضوان الله عليهم، حيث سُجّل موقفهم في أعظم كتاب وأجلّ سجل، يقول تعالى:''الذين قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل''، أي ازدادوا يقينا إلى يقينهم وتصديقا لله ولوعده، وإنّها لمعجزة هذا الدين أن يزداد أتباعه إيمانا في ساعة الشدة.
إنّ الطاغوت مهما أوتي من قوة لن يتجاوز هذه الحياة الدنيا، وهو ما ردّ به السحرة عندما أراد فرعون إدخال الخوف منه إلى قلوبهم، حين قالوا:''فاقض ما أنت قاض إنّما تقضي هذه الحياة
الدنيا''. (ولم يكن أمرهم إياه بأن يقضي ما هو قاض على معنى التكذيب، ولا على الإباحة لأن يفعل بهم ما قد توعدهم، ولكنّهم أعلموه أنّهم قد استعدوا له بالصبر على ما حلّ بهم من عذابه ... فليفعل ما هو فاعل، فإنّهم يستقلون ذلك في جنب ما يتوقعونه من ثواب الله عز وجل، وما يرجون أن يصرفه الله عنهم من عذابه ثوابا على بذلهم أنفسهم) ، والمعنى (إنما تقدر أن تعذبنا في هذه الحياة الدنيا التي تفنى) .
إنّ الخوف من بطش الطواغيت أساس وسبب في نشوء الحركات السّريّة، فإذا ضاق ظاهر الأرض فما للمتمردين على الطاغوت سوى العمل تحت الأرض سرا. فها هو موسى عليه السلام يخرج مع قومه سرا تحت جنح الظلام كي لا يحس به فرعون وجنوده، يقول تعالى:''وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنّكم متبعون''، حيث (أمر موسى عليه السلام بالخروج ليلا، وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف) ، ممّا جعل حركتهم سرّيّة.
السجون لون آخر من عذاب فرعون