بدأ فرعون حربه على السحرة - حين آمنوا - بقلب الحقيقة، بل والإسراف بالتهمة، فاعتبرهم تلاميذ متآمرين مع موسى ضد العرش! وضد الشعب المُخدّر! فتلك - بزعمه - مؤامرة تستهدف الجماهير والأمّة، وقال:''إنّ هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها''، يريد بذلك حشد النّاس وإقحامهم معه في المعركة الخطيرة. وأتبع ذلك بفرية أخرى في محاولة تعكس الرعب الذي دخل على شخص فرعون بقوله عن موسى:''إنّه لكبيركم الذي علمكم السّحر''.
ومن العجيب أن يصل الحد بفرعون أن يعدَّ إيمان السحرة استسلاما، فهل يُعاب الإنسان عند استسلامه للحق وخضوعه له؟ ثمّ ازداد غطرسة وعنجهيّة عندما عدَّ إيمانهم خارجا عن القانون، لأنّهم لم يطلبوا الإذن من صاحب الجلالة! وهنا تظهر صفة الفوقية التي تميّزت بها شخصية فرعون، يقول تعالى حكاية لقول فرعون:''قال آمنتم له قبل أن آذن لكم''، فلكي تؤمن لا بد لك من ترخيص وإذن من الطاغوت! وهذا مؤشر على ذوبان المجتمع في شخصية فرعون، وعلى حجم الكارثة التي أدت إلى انعدام إرادة الاختيار أو حتى القدره عليه لدى الجماهير؛ فلولا ذلك لما أبدى فرعون عجبه من هذا التصرف الخارج عن المألوف!