إنّ الملأ يتنفسون المنصب والجاه والسلطة ولا يرون للأتباع أي حق ولوكان مجرد الإستماع لهم والتفكير - ولو لحظة - فيما يقولون؛ ذلك لأنّهم من المستكبرين العالين كما بيّن القرآن الكريم، يقول تعالى:''ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين''.والمعنى أنّهم استكبروا على الإيمان والمتابعة، أى طلبوا الكبر وتكلفوه فلم ينقادوا للحق، وكانوا قوما عالين مترفعين من عادتهم الاستكبار والتمرد، متكبرين على أهل ناحيتهم ومن في بلادهم من بني إسرائيل وغيرهم بالظلم قاهرين لهم.إنّ تنفس الملأ للجاه والمنصب جعلهم يُواجهون موسى عليه السلام بالسخرية والاستهزاء، وسولت لهم أنفسهم - المُصابة بمرض الإنتفاش - الاستخفاف بآيات الله. يقول تعالى:''ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إنّي رسول
رب العالمين، فلمّا جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون، وما نريهم من آية إلاّ هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون''.أي (فلمّا جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون استهزاء وسخرية) .وبيّن سبحانه أنّ العلة في أخذه لهم بالعذاب هو رجاء رجوعهم، ولكنّ الملأ لم يرجعوا عن غيّهم وضلالهم، فهم أموات غير أحياء، لأنّ الميت من مات قلبه والعياذ بالله.
والملأ من قوم فرعون كفرعون فاسقون، لأنّ من يصل إلى درجة ومرتبة الأشراف والسادة في نظام كنظام فرعون لا بدّ أن يكون فاسقا، ذلك أنّ غير الفاسق لا يستطيع الإنخراط في مثل حكومة كهذه، فلكلّ كائن حيّ وسط يعيش فيه، ثمّ إنّ الحكومة لا تقبل في هذا المنصب رجلا نظيفا لا يتصف بالفسق، فالفسق شرط وضرورة للتّرقّي في سلم الحكومة، ودلّ على ذلك قوله تعالى:''فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه، إنّهم كانوا قوما فاسقين''، أي (من الرؤساء والكبراء، إنّهم كانوا قوما فاسقين، أي خارجين عن طاعة الله مخالفين لأمره ودينه) ، فهم جديرون بسبب فسقهم أن يُبعث إليهم.
إتباع الملأ لأمر فرعون