وقال الكلبي: ليس من مؤمن ولا كافر إلا وله منزل وأهل وخدم فِي الجنة، فإن أطاع الله أتى ومنزله وأهله وخدمه فِي الجنة، وإن عصى الله ورثه الله تعالى المؤمنين، فقد غبن أي بعد عن أهله وخدمه، كما قال فِي آية أخرى {فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خسروا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين} [الزمر: 15] .
وقال بعضهم: هذا التفسير لا يصح لأنه لا يجوز أن يقال للكافر منزل فِي الجنة وخدم، إلا أن الكلبي لم يقل ذلك من ذات نفسه، وإنما رواه عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما. انتهى انتهى. {بحر العلوم حـ 1 صـ 65}
و {أولئك} إشارة إلى {الفاسقين} [البقرة: 26] باعتبار ما فصل من صفاتهم القبيحة، وفيه رمز إلى أنهم فِي المرتبة البعيدة من الذم وحصر الخاسرين عليهم باعتبار كمالهم فِي الخسران حيث أهملوا العقل عن النظر ولم يقنصوا المعرفة المفيدة للحياة الأبدية والمسرة السرمدية، واشتروا النقض بالوفاء، والفساد بالصلاح، والقطيعة بالصلة، والثواب بالعقاب فضاع منهم الطلبتان رأس المال والربح وحصل لهم الضرر الجسيم وهذا هو الخسران العظيم.
وفي الآية ترشيح للاستعارة المقدرة التي تتضمنها الآيات السابقة فافهم. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 212}
[فائدة]
قال القرطبي:
في هذه الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل عهدٍ جائز ألزمه المرء نفسه فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره؛ لذمّ الله تعالى مَن نقض عهده.
وقد قال: {أَوْفُواْ بالعقود} [المائدة: 1] وقد قال لنبيّه عليه السلام: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ} [الأنفال: 58] فنهاه عن الغَدْر، وذلك لا يكون إلا بنقض العهد؛ على ما يأتي بيانه فِي موضعه إن شاء الله تعالى. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 248}