وقيل: فِي محلِّ نَصْبِ؛ لأنهما صفتان لـ"مَثَلاً"أي: مَثَلاً يُفَرِّقُ النَّاس به إلى ضُلاَّلٍ ومُهْتَدِين، وهما على هذا من كلام الكفَّار.
وأجاز أبو البقاء أن تكون حالاً من اسم الله، أي: مُضِلاَّ به كثيراً، وهادياً به [كثير] .
وجَوَّزَ ابن عطية أن يكون جملة قوله:"يُضِلُّ بِعِ كَثِيراً"من كلام الكُفَّارِ، وجملةُ قوله:"وَيَهْدِي بِهِ كَثيراً"من كلام الباري تعالى.
وهذا ليس بظاهرٍ لأنّهُ إلباسٌ فِي التركيب.
والضميرُ فِي"به"عائدٌ على"ضَرْب"المضاف تقديراً إلى المَثَل، أي يضرب المثل، وقيل: الضميرُ الأوّل للتكذيب، والثاني للتصديق، ودَلَّ على ذلك قوة الكلام.
[وقُرِئ:"يُضَلُّ به كثيرٌ، ويُهِدَى به كثيرٌ، وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقُونَ"بالبناء للمفعول] .
وقُرِئَ أيضاً:"يَضِلُّ كَثِيرٌ ويَهْدِي به كثيرٌ، وما يَضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقون"بالبناء للفاعل.
قال بعضهم:"وهي قراءة القَدَرِيَّة، وقد نَقَلَ ابن عطية عن أبي عمرو الدَّاني أنَّهَا قراءة المعتزلة".
ثم قال: وابن أبي عبلةَ من ثِقَاتِ الشاميين"يعني قارئها، وفي الجملةِ فهي مخالفة لسواد المصحفِ."
قوله:"وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقِيْنَ""الفاسقين"مفعول لـ"يضل"وهو استثناء مُفَرّغ، وقد تقدَّم معناه، ويجوز عند القرّاء أن يكون منصوباً على الاستثناء والمستثنى منه محذوف تقديره:"وما يُضِلُّ به أحداً إِلاَّ الفاسقين"؛ كقوله: [الطويل]
نَجَا سَالِمٌ والنَّفْسُ مِنْهُ بِشِدْقِهِ ... وَلَمْ يَنْجُ إِلاَّ جَفْنَ سَيْفٍ ومئزَرَا
أي: لم ينجُ بشيء، ومنع أبو البقاء نصبه على الاستثناء، كأنَّه اعتبر مذهب جمهور البَصْريين.
و"الفِسْقُ"لغةً: الخروجُ، يقالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرهَا، أي: خَرَجَتْ، والفأرة من جُحُرِها.