يرد يديه صفرًا من عطائه لكرمه بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه، أو شبه الهيئة
الحاصلة من تركه تَعَالَى تخييب العبد وأنه لا يرد يديه صفرًا بل يرد وهما مملوءتان خيرًا
بالهيئة الحاصلة من ترك المحتاج إليه رد الفقير المحتاج حياء منه وأعطى مطلوبه بأوفر ما
يتمناه ويروم منه فاستعمل اللَّفْظ المركب الموضوع للهيئة المشبهة بها في الهيئة المشبهة
والمص أَشَارَ إلَى الوَجْهَيْن في الموضعين كما هُوَ عادته، والبعض حاول التوفيق فقال
الانتقال في كل مجاز لغوي اسْتعَارَة كان أو مَجَازًا مرسلًا من الملزوم إلَى اللازم غايته أن
يكون اللزوم في الاسْتعَارَة بطَريق التشبيه انتهى. ولا يخفى ما فيه عَلَى ذوي النهي؛ إذ الأسد
مثلًا كونه ملزومًا والرجل لازمًا خفي جدًا إلا أن يتكلف قوله إصابة المعروف لف ونشر
مرتب. نقل عن صاحب الانتصاف أنه لقائل أن يقول ما الذي دعاه إلَى تأويل الآية. مع أن
الحياء الذي يخشى نسبته ظاهرة إليه تَعَالَى مسلوب في الآية، كقوله الله تَعَالَى ليس بجسم
ولا جوهر ولا عرض. وجوابه ما مَرَّ من أن المسلوب هنا الحياء المقيد لا المطلق ومثله
يفيد ثبوت أصل الحياء كما مَرَّ تحقيقه. وأُجيب أَيْضًا بأنه في العرف لا يسلب الحياء إلا
عمن هُوَ من شأنه فلذا احتيج إلَى التأويل، وأما قَوْلُه تَعَالَى: (لَا تَأْخُذُهُ سنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)
و (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ منْ وَلَدٍ) وقوله (وَهُوَ يُطْعمُ وَلَا يُطْعَمُ)
فهو مسلوب كل منه مُطْلَقًا، ولو قيل لم يلد ذكرًا ولم يأخذه سنة ولا نوم في هذه الليلة
وليس بعرض قار الذات لاحتيج إلَى التأويل.
قوله:(ونظيره قول من يصف [إبلا] :
إذا ما اسْتَحينَ الماءَ يعْرضُ نَفْسَه ... كَرَعْنَ بسَبْتٍ في إناءٍ من الوَرْد)
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
فلا تحتاج إلَى التأويل بحملها عَلَى الْمَجَاز فتكون حقائق لا مجازاة وقَالُوا إذا نفيت أمثال ذلك
على الإطلاق بمعنى أنها ليست من شأنه وأنه لا يتصف بها كما في الأملة الْمَذْكُورة لا يحتاج إلَى
تأويل، وأما إذا نمت عَلَى التَّقْييد فقد رجع النفي إلَى القيد وأفاد ثبوت أصل الْفعْل أو إمكانه لا أقل
فاحتاج إلَى تأويل كما إذا قيل لم يلد ذكرًا ولم يأخذه نوم في هذه الليلة، وليس بعرض قار الذات
ومن ذلك أن قولك ليس النهار صائمًا حَقيقَة، وقولك ليس نهار زيد صائمًا مجاز، وقال بعض
الأفاضل كلا الْجَوَابين مبني عَلَى أن نفي الحياء وصف مذمة، ولقائل أن يقول هُوَ وصف مذمة في
الْإنْسَان أو مُطْلَقًا والأول مسلم ولكن ليس الْكَلَام فيه، والثاني ممنوع وإنه عرف الحياء بأنه تغير
وانكسار يعتري الْإنْسَان فلا يصدق عَلَى الله حَقيقَة، وإذا كان كَذَلكَ فلا يكون عدم ملكة فلا يحتاج
إلى تأويل والصواب أن يقال ما ورد في الْحَديث يحتاج إلَى تأويل وقد أوله بجعله اسْتعَارَة تبعية
تمثيلية، ولما كان النفي يرد عَلَى الْمَعْنَى الإيجابي وكان معناه الإيجابي الترك كان النفي أَيْضًا كَذَلكَ
والنفي عدم ملكة معناه المجازي لا الحقيقي هذا. أقول: فيكون اسْتعْمَال النفي في الترك حِينَئِذٍ في
شأن الله تَعَالَى عَلَى سبيل التَّجَوُّز عَلَى المجاز. فليتأمل فإن المقام من المداحض.
قوله: إذا ما استحين. البيت للمتنبي أي تركن الضَّمير للنوق. والكرع تناول الماء بفيه من