روى شعبة عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عبّاس: في هذه الآية {بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة} أي لم يدرك ، قال الفرّاء: وهو وجه جيّد كأنّه يوجّهه إلى الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث ، لقولك للرجل تكذّبه: بلى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا تروي ، وأنت تكذّبه . وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي {بَلِ ادارك} بكسر اللام وتشديد الدال أي تدارك وتتابع {عِلْمُهُمْ فِي الآخرة} هل هي كائنة أم لا؟ وتصديق هذه القراءة أنّها في حرف أُبي أم تدارك {عِلْمُهُمْ فِي الآخرة} والعرب تضع بل موضع أم ، وأم موضع بل إذا كان في أوّل الكلام استفهام كقول الشاعر:
فوالله ما أدري أسلمى تغوّلت ... أم البوم أم كلٌّ إلي حبيب
أي بل كلٌّ إليّ حبيب ، ومعنى الكلام هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة ، أي لم يتتابع فصل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه ؛ لأنّ في الاستفهام ضرباً من الجحد ، وقرأ أبو جعفر ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو عمرو {بَلِ ادارك} من الادّراك أي لم يدرك علمهم علم في الآخرة ، وقال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنّهم كانوا في (الأنبياء) مكذّبين ، وقيل بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس فيها لهم علم ، ويقال: اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكّ من وقتهم.
{بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} أي (جهلة) واحدها عمي ، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار غير مهموزة ، وقرأ ابن محيض {بل أءدّرك} على الاستفهام ، أي لم تدرك ، وحمل القول فيه أنّ الله سبحانه أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أنّهم إذا بعثوا يوم القيامة استوى علمهم بالآخرة وما وعدوا فيه من الثواب والعقاب ، وإنْ كانت علومهم مختلفة في الدنيا وإنْ كانوا في شكّ من أمرها بل جاهلون به.