ولما أطاعوا الشيطان المخلوق من نار السموم الداعي إليها العامل لها،
وخالفوا الله رب العالمين الذي هو نور السماوات والأرض، أبعدهم لذلك عن
جواره، وأحلهم محل الخزي، وأقصاهم إلى ظلمات البعد،(هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ)؟!.
قوله تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ...(91)
البلدة المحرمة: هي مكة،"حرمها الله - جل ذكره - ولم يحرمها الناس"فالبائس
من أجل ما قد حرمه الله من شعائره وأشهره، وبلدته وبيته هي حرام على الدجال،
لا يدخلها ولا المدينة، أتبع ذلك: (وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ) هذا منتظم بمعنى التوحيد،
معرض به للذين اتخذوا من دونه أندادًا وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا(وَأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)أي: كما أسلم له كل شيء، وكما قال إمام
المسلمين خليل رب العالمين - صلوات الله وسلامه عليه (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ
لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) .
ثم قال: (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ...(92) . نور، وما فطر الله السماوات والأرض
عليه من الإسلام، هو نور لمن استضاء بهما، وكون الملك كله لله نور، وآثار فعله
في مفعولاته كلها نور؛ فلأجل هذه الأنوار يجزى المؤمنون أيضًا بما آمنوا به وبما
عملوا له ومن أجله، وقد تقدم هذا المعنى.
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله - جلَّ جلالُه -: (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ)
الهداية لا تكون إلا بنور الله، ولا يجعل الله نورًا إلا لمن كان معه من
نور الإيمان حظ، وبذلك النور يهتدي إلى المراد، والمراد الأعلى هو نور الأنوار
والضلال البعيد والحيرة عن القصد، ومن بعد عن النور وقع في الظلمات، فهو لا
يرى ولا يسمع ولا يعقل ولا يهتدي سبيلاً.
وقد تقدم قوله - عز وجل -: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ...(93) . أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يحمده على ما هداه إليه من الإسلام والإيمان والنور الذي أنزله إليه من كتاب وفرقان وحكمة.