ومنهم من يقول: ذكر النفخ لسرعة نفاذ الساعة؛ إذ ليس شيء أسرع نفإذا من النفخ، وهو ما قال: إلا صيحة، وإلا رجفة، ذكر ذلك وشبهها بالصيحة والرجفة لسرعة نفاذها؛ إذ ليس شيء أسرع نفإذا من الصيحة والرجفة، فيقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفتها على اللَّه أو سرعة نفاذها على ما ذكرنا، وهو ما قال: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) ، ليس أنه ينفخ فيه نفخًا، ولكن يجعل كأنه قال: وجعلنا فيه من روحنا.
ومنهم من يقول: هو على حقيقة النفخ، فإن كان على هذا فهو أن يمتحن الملك من غير أن يقع له الحاجة إلى ذلك؛ نحو ما امتحن الكرام الكاتبين بكتابة أعمال الخلق وأفعالهم من غير وقوع الحاجة إليه، لكن امتحانًا منه ملائكته بذلك، أو أن يكونوا أحذر؛ إذ هو عالم بما كان وبما يكون كيف يكون؟ ومتى يكون وأي شيء يكون؟
وأما اختلافهم في عدد النفخ: قال قائل: إنه واحد يحتج بقوله: (إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) .
ومنهم من يقول بالنفختين؛ يحتج بقوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ(6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) .
أخبر أنه يردف الأولى غيرها، ويحتج بقوله أيضًا: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى) .
ومنهم من يقول بالنفخات الثلاث يقول: الأولى للفزع، والثانية للصعق على ما ذكرنا في الآية، والثالثة للإحياء.
ومنهم من يقول بالثلاث إلا أنه يجعل ذلك كله بعد الموت:
أحدها للفزع في القبور، والثانية للإحياء فيها، والثالثة للإخراج منها والنشر، ويقول هذا القائل بعذاب أهل القبر من النفخة الثانية إلى النفخة الثالثة؛ وعلى ذلك رويت أخبار في ذلك، فإن ثبتت فهو ذاك وإلا نقف فيه.