وقال العلامة المرجانيّ في مقدمة كتابه"وفيّة الأسلاف ، وتحيّة الأخلاف"في بحث علم الهيئة ، ما مثاله:
ويدل على حركة الأرض قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} الآية . فإنه خطاب لجناب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإيذان الأمر له بالأصالة مع اشتراك غيره في هذه الرؤية . وحسبان جمود الجبال وثباتها على مكانها ، مع كونها متحركة في الواقع بحركة الأرض ، ودوام مرورها مرّ السحاب في سرعة السير والحركة . قال: وقوله: {صُنْعَ اللَّهِ} من المصادر المؤكدة لنفسها . وهو مضمون الجملة السابقة . يعني أن هذا المرور هو صنع الله . كقوله تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ} [النساء: 122] ، {صِبْغَةَ اللَّهِ} [البقرة: 138] ، ثم الصنع هو عمل الإنسان ، بعد تدرّب فيه وتروًّ وتحري إجادة . ولا يسمى كل عمل صناعة ، ولا كل عامل صانعاً حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه . وقوله: {الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} كالبرهان على إتقانه ، والدليل على إحكام خلقته ، وتسويته مروره على ما ينبغي . لأن إتقان كل شيء ، يتناول إتقانه . فهو تثنية للمراد وتكرير له ، كقوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عِمْرَان: 97] ، قال: وقد اشتملت هذه الآية على وجوه من التأكيد ، وأنحاء من المبالغة . فمن ذلك تعبيره بالصنع الذي هو الفعل الجميل المتقن المشتمل على الحكمة . وإضافته إليه تعالى تعظيماً له وتحقيقاً لإتقانه وحسن أعماله . ثم توصيفه سبحانه بإتقان كل شيء ، ومن جملته هذه المرور . ثم إيراده بالجملة الاسمية الدالة على دوام هذه الحالة واستمرارها مدى الدهور . ثم التقييد بالحال ، لتدل على أنها لا تنفك عنها دائماً . فإن قوله تعالى: {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} حال من المفعول به ، وهو الجبال . ومعمول لفعله الذي هو رؤيتها على تلك الحال .