والقول الثاني: إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحزن ؛ لأنهم أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا.
وهذا أشبه القولين.
قلت: والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمر ويدلّ على أنهما نفختان لا ثلاث ؛ خرجهما مسلم وقد ذكرناهما في كتاب"التذكرة"وهو الصحيح إن شاء الله تعالى أنهما نفختان ؛ قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع فدلّ على أنهما واحدة.
وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بين النفختين أربعون سنة الأولى يميت الله بها كل حيّ والأخرى يحيي الله بها كل ميت"فإن قيل: فإن قوله تعالى:
{يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة * تَتْبَعُهَا الرادفة} [النازعات: 6 7] إلى أن قال: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} [النازعات: 13] وهذا يقتضي بظاهره أنها ثلاث.
قيل له: ليس كذلك ، وإنما المراد بالزجرة النفخة الثانية التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم ؛ كذلك قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وابن زيد وغيرهم.
قال مجاهد: هما صيحتان: أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله ، وأما الأخرى فتحيي كل شيء بإذن الله.
وقال عطاء: {الرَّاجِفَةُ} القيامة و {الرادِفَةُ} البعث.
وقال ابن زيد: {الراجفة} الموت و {الرادفة} الساعة.
والله أعلم.
{إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ} ثم اختلف في هذا المستثنى مَن هم.
ففي حديث أبي هريرة أنهم الشهداء عند ربهم يرزقون إنما يصل الفزع إلى الأحياء ؛ وهو قول سعيد بن جبير أنهم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش.
وقال القشيري: الأنبياء داخلون في جملتهم ؛ لأن لهم الشهادة مع النبوّة وقيل: الملائكة.
قال الحسن: استثنى طوائف من الملائكة يموتون بين النفختين.
قال مقاتل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
وقيل: الحور العين.