قال القرطبي: قد رفع الإشكال في هذه الدابة ما ذكرناه من حديث حذيفة، فليعتمد عليه.
واختلف في أي موضع تخرج؟ فقال عبد الله بن عمر: تخرج من الصفا، وروي عن قتادة: أنها تخرج في تهامة، وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنُّور نوح - عليه السلام - ، وقيل: من أرض الطائف، قال أبو قبيل: ضرب عبد الله بن عمرو أرض الطائف برجله، وقال: من هنا تخرج الدابة التي تكلم الناس، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته.
وما جاء في وصف الدابة، والمبالغة في طولها وعرضها وزمانها ومكانها مما لا يُركن إليه، فإن أمور الغيب لا يجب التصديق بها إلا إذا ثبتت بالدليل القاطع عن الرسول المعصوم - صلى الله عليه وسلم - .
وجملة قوله: {تُكَلِّمُهُمْ} صفة للدابة؛ أي: تكلم تلك الدابة الناس المعاصرين لخروجها، وتخبرهم {أَنَّ النَّاسَ} العصريين والمكلفين الموجودين الآن {كَانُوا بِآيَاتِنَا} ؛ أي: بآيات ربنا، ودلائل قدرته التي منها خروجي الدال على قرب الساعة {لَا يُؤْمِنُونَ} ؛ أي: لا يصدقون بها؛ أي: تكلم تلك الدابة من وُجد وقت خروجها على العموم الكفرة وغيرهم باللسان العربي الفصيح، أو تُكلِّم العرب بالعربي، والعجم بالعجمي، وتُخبرهم بأن الناس كانوا لا يؤمنون بآيات الله الناطقة بمجيء الساعة، وقربها كخروجي.
وقال الشوكاني: والمراد بالناس في الآية: هم الناس على العموم فيدخل في ذلك كل مكلف، وقيل: المراد بهم الكفار خاصة، وقيل: كفار مكة. والأول أولى. اهـ.