فمن أجل ذلك جعل دعاؤهم هذا من أسباب جزائهم بالجنة وإن كان فيه حظ لنفوسهم بقُرّة أعينهم إذ لا يناكد حظ النفس حظ الدين في أعمالهم ، كما في قول عبد الله ابن رواحة وهو خارج إلى غزوة مؤتة ، فدعا له المسلمون ولمن معه أن يَردّهم الله سالمين فقال:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة...
وضربةً ذات فَرْغ تَقِذف الزبَدا
أو طعنةً بيديْ حرَّانَ مجهزة...
بحَرْبة تُنفذ الأحشاءَ والكَبِدا
حتى يقولوا إذا مَروا على جَدَثي...
أرشدَك الله من غَاز وقد رَشَدا
فإن في قوله: حتى يقولوا ، حظاً لنفسه من حسن الذكر وإن كان فيه دعاء له بالرشد وهو حظّ ديني أيضاً ، وقوله: وقد رَشَدَ ، حُسْن ذِكرٍ محض.
وفي كتاب"الجامع"من"جَامع العتبية"من أحاديث ابن وهب قال مالك: رأيت رجلاً يَسأل ربيعة يقول: إني لأُحِبّ أن أُرى رائحاً إلى المسجد ، فكأنه كره من قوله ولم يعجبه أن يحبّ أحدٌ أن يُرى في شيء من أعمال الخير.
وقال ابن رشد في"شرحه": وهذا خلاف قول مالك في رسم العُقول من سماع أشهب من كتاب الصلاة: إنه لا بأس بذلك إذا كان أولُه لله (أي القصد الأول من العمل لله) .
وقال ابن رشد في موضع آخر من"شرحه"قال الله تعالى: {وألقَيْتُ عليك محبةً منّي} [طه: 39] ، وقال: {واجعل لي لسانَ صِدق في الآخرين} [الشعراء: 84] .
وقال الشاطبي في"الموافقات":"عد مالك ذلك من قبيل الوسوسة ، أي أن الشيطان باقي للإنسان إذا سَرّه مرأى الناس له على الخير فيقول لك: إنك لَمُراءٍ."
وليس كذلك وإنما هو أمر يقع في قلبه لا يُملَك"أ هـ."
وفي"المعيار"عن كتاب"سراج المريدين"لأبي بكر بن العربي قال: سألت شيخنا أبا منصور الشيرازي الصوفي عن قوله تعالى: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا} [البقرة: 160] ما بَيّنوا؟ قال: أظهروا أفعالهم للناس بالصلاح والطاعات.
قال الشاطبي: وهذا الموضع محل اختلاف إذا كان القصد المذكور تابعاً لقصد العبادة.