ومعنى المرور به المرور بأصحابه اللاغين في حال لغوهم ، فجعل المرور بنفس اللغو للإشارة إلى أن أصحاب اللغو متلبسون به وقت المرور.
ومعنى: {مروا كراماً} أنهم يمرون وهم في حال كرامة ، أي غير متلبسين بالمشاركة في اللغو فيه فإن السفهاء إذا مروا بأصحاب اللغو أنِسُوا بهم ووقفوا عليهم وشاركوهم في لغوهم فإذا فعلوا ذلك كانوا في غير حال كرامة.
والكرامة: النزاهة ومحاسن الخلال ، وضدها اللؤم والسفالة.
وأصل الكرامة أنها نفاسة الشيء في نوعه قال تعالى: {أنبتنا فيها من كل زوج كريم} [الشعراء: 7] .
وقال بعض شعراء حمير في"الحماسة":
ولا يَخيم اللقاءَ فارسُهم...
حتى يشقَّ الصفوف مِن كَرمه
أي شجاعته ، وقال تعالى: {وأعد لهم أجراً كريماً} [الأحزاب: 44] .
وإذا مر أهل المروءَة على أصحاب اللغو تنزهوا عن مشاركتهم وتجاوزوا ناديهم فكانوا في حال كرامة ، وهذا ثناء على المؤمنين بترفّعهم على ما كانوا عليه في الجاهلية كقوله تعالى: {وذرِ الذين اتّخذوا دينَهم لعباً ولهواً} [الأنعام: 70] ، وقوله: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [القصص: 55] .
وإعادة فعل {مروا} لبناء الحال عليه ، وذلك من محاسن الاستعمال ، كقول الأحوص:
فإذَا تزول تزولُ عن متخمّط...
تُخشى بوادره على الأقران
ومنه قوله تعالى: {ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا} [القصص: 63] كما ذكره ابن جنّي في"شرح مشكل أبيات الحماسة"، وقد تقدم عند قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] .
وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)