ومن لم يكن مثلهم فيها لم يكن في منازلهم التي جوزوا بها عليها، وكان على حسب حظه من الإيمان، في منزلة من منازل أهل الجنة الذين يتراءون أهل الغرف.
فدرجات أهل الجنة في منازلهم على حسب سلوكهم في أعمالهم:
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الجاثية: 21، 22] .
دلالة:
دلت الآية على السبب الذي أفضى بهم إلى هذا الجزاء العظيم، وهو أعمالهم.
ودلت على السبب الذي تمكنوا به من القيام بهذه الأعمال، وهو الصبر لقوله تعالى: {بما صبروا} .
ومن أعظم الحكمة معرفة الأسباب والمسببات، وارتباط بعضها ببعض، فلا ينهض بامتثال المأمورات وترك المنهيات إلاّ من صبر، والصبر خلق من الأخلاق التي تتربى وتنمو بالمران والدوام، فواجب على المكلف أن يجعل تربية نفسه عليه، وتعويدها به من أكبر همه، إذ لا يقوم بالتكاليف الشرعية إلاّ به؛ بل ولا يستطيع الحياة في هذه الدار الدنيا الموضوعة على المحنة والابتلاء إلا إذا تمسك بسببه.
بيان القرآن للقرآن:
في هذه الآية: أنهم يلقون تحية وسلاماً؛ وقد بين من يتلقاهم بذلك في قوله تعالى:
{وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [النحل: 97] . فالملائكة هم
الذين يتلقونهم في السلام، والدعاء لهم بالطيب، وهو مما يدخل في التحية؛ لأن من طيبهم طيب حياتهم.
وما أكثر ما تجد في القرآن!!، فاجعله من بالك تهتد - إن شاء الله - إليه.
إقتداء ورجاء:
هؤلاء السالكون، وما ذكر من أعمالهم وأحوالهم هو سلوكهم؛ ولما سلكوا الصراط المستقيم، بالعمل المستقيم، انتهى بهم السير إلى أحسن قرار ومقام، إلى دار النعيم المقيم، في جوار الرحمن الرحيم.
فإذا اشتقت إلى نهايتهم فتمسك ببدايتهم، وزن أعمالك بأعمالهم، وأحوالك بأحوالهم، فإذا جعلت ذلك من همك، وحملت عليه نفسك بصادق عزمك، وصبرت كما صبروا رجوت أن تظفر بما ظفروا.