أما الأول فَفِي قَوْله {شهد الله أنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ}
وَأما الثَّانِي فكقوله تَعَالَى {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}
والفاحشة تَدْعُو إِلَى الشّرك وَالظُّلم وَلَا سِيمَا إِذا قويت إرادتها وَلم تحصل إِلَّا بِنَوْع من الظُّلم بالظلم، والاستعانة بِالسحرِ والشيطان.
وَقد جمع سُبْحَانَهُ بَين الزِّنَا والشرك فِي قَوْله {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}
فَهَذِهِ الثَّلَاثَة يجر بَعْضهَا إِلَى بعض وَيَأْمُر بَعْضهَا بِبَعْض وَلِهَذَا كلما كَانَ الْقلب أَضْعَف توحيدا وَأعظم شركا كَانَ أَكثر فَاحِشَة وَأعظم تعلقا بالصور وعشقا لَهَا.
[مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ شَرْعُ الْحُدُودِ]
فَكَانَ مِنْ بَعْضِ حِكْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَرَحْمَتِهِ أَنْ شَرَعَ الْعُقُوبَاتِ فِي الْجِنَايَاتِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فِي الرُّءُوسِ وَالْأَبْدَانِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ، كَالْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ وَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ؛ فَأَحْكَمَ سُبْحَانَهُ وُجُوهَ الزَّجْرِ الرَّادِعَةَ عَنْ هَذِهِ الْجِنَايَاتِ غَايَةَ الْإِحْكَامِ، وَشَرَعَهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِمَصْلَحَةِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ، مَعَ عَدَمِ الْمُجَاوَزَةِ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الْجَانِي مِنْ الرَّدْعِ؛ فَلَمْ يَشْرَعْ فِي الْكَذِبِ قَطْعَ اللِّسَانِ وَلَا الْقَتْلَ، وَلَا فِي الزِّنَا الْخِصَاءَ، وَلَا فِي السَّرِقَةِ إعْدَامَ النَّفْسِ.
وَإِنَّمَا شَرَعَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ مُوجِبُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مِنْ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ وَعَدْلِهِ لِتَزُولَ النَّوَائِبُ، وَتَنْقَطِعَ الْأَطْمَاعُ عَنْ التَّظَالُمِ وَالْعُدْوَانِ، وَيَقْتَنِعَ كُلُّ إنْسَانٍ بِمَا آتَاهُ مَالِكُهُ وَخَالِقُهُ؛ فَلَا يَطْمَعُ فِي اسْتِلَابِ غَيْرِهِ حَقَّهُ.
[تَفَاوَتَتْ الْجِنَايَاتُ فَتَفَاوَتَتْ الْعُقُوبَاتُ]