[إتْلَافُ النَّفْسِ عُقُوبَةُ أَفْظَعِ أَنْوَاعِ الْجَرَائِمِ]
وَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَاءَ إتْلَافُ النُّفُوسِ فِي مُقَابَلَةِ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَأَعْظَمِهَا ضَرَرًا وَأَشَدِّهَا فَسَادًا لِلْعَالَمِ، وَهِيَ الْكُفْرُ الْأَصْلِيُّ وَالطَّارِئُ، وَالْقَتْلُ وَزِنَا الْمُحْصَنِ، وَإِذَا تَأَمَّلَ الْعَاقِلُ فَسَادَ الْوُجُودِ رَآهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، وَهَذِهِ هِيَ الثَّلَاثُ الَّتِي «أَجَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِهَا حَيْثُ قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك، قَالَ: قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك، قَالَ: قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك» فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] الْآيَةَ.
(فصل: أصُول الْمعاصِي كلهَا كِبَارهَا وصغارها ثَلَاثَة)
تعلق الْقلب بِغَيْر الله، وَطَاعَة الْقُوَّة الغضبية، وَالْقُوَّة الشهوانية، وَهِي الشّرك وَالظُّلم وَالْفَوَاحِش.
فغاية التَّعَلُّق بِغَيْر الله شرك وَأَن يدعى مَعَه إِلَه آخر وَغَايَة طَاعَة الْقُوَّة الغضبية الْقَتْل وَغَايَة الْقُوَّة الشهوانية الزِّنَا وَلِهَذَا جمع الله سُبْحَانَهُ بَين الثَّلَاثَة فِي قَوْله {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ}
وَهَذِه الثَّلَاثَة يَدْعُو بَعْضهَا إِلَى بعض فالشرك يَدْعُو إِلَى الظُّلم وَالْفَوَاحِش كَمَا أَن الْإِخْلَاص والتوحيد يصرفهما عَن صَاحبه قَالَ تَعَالَى {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}
فالسوء الْعِشْق والفحشاء الزِّنَا وَكَذَلِكَ الظُّلم يَدْعُو إِلَى الشّرك والفاحشة، فَإِن الشّرك أظلم الظلم كَمَا أَن أعدل الْعدْل التَّوْحِيد.
فالعدل قرين التَّوْحِيد، وَالظُّلم قرين الشّرك، وَلِهَذَا يجمع سُبْحَانَهُ بَينهمَا.