فإن قال قائل: فأين حرية الدين إذن؟ نقول: أنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن ، لكن اعلم أولاً أنك إنْ ارتددتَ عن إيمانك قتلناك ، فإياك أنْ تدخل في ديننا إلا بعد اقتناع تام حتى لا تُعرِّض نفسك لهذه العاقبة .
وهذا الشرط يمثِّل عقبة وحاجزاً أمام مَنْ أراد الإيمان ويجعله يُفكّر ملياً قبل أن ينطق بكلمة الإيمان ويحتاط لنفسه ، إذن: فربُّكَ عز وجل يُنبِّهك أولاً ، ويشترط عليك ، وليس لأحد بعد ذلك أن يقول: أين حرية الدين؟
وقوله تعالى: {وَلاَ يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] تحدثنا عن هذه المسألة في أول سورة النور وقلنا: إن الإنسان الذي كرَّمه الله وجعله خليفة له في أرضه أراد له الطُّهْر والكرامة ، وإنْ يسكن الدنيا على مقتضى قانون الله ، فلا يُدخِل في عنصر الخلافة شيئاً يخالف هذا القانون ؛ لأن الله تعالى يريد أن يبنى المجتمع المؤمن على الطُّهْر ويبنيه على عناية المربِّي بالمربَّى .
لذلك تجد الرجل يعتني بولده مطْعماً ومشرباً وملبساً ويفديه بنفسه ، لماذا؟ لأنه ولده من صُلْبه ومحسوب عليه ، أمّا إنْ شكَّ في نسب ولده إليه فإنه يُهمله ، وربما فكّر في الخلاص منه ، وإنْ رُبِّي مثل هذا رُبَّي لقيطاً لا أصلَ له ، وهذا لا يصلح لخلافة الله في أرضه ، ولا لأن يحمل هذا الشرف .
وهذا يدل على أن الفطرة السليمة تأبى أنْ يوجد في كون الله شخص غير منسوب لأبيه الحق ، من هنا نهى الإسلام عن الزنا ، وجعل من صفات عباد الرحمن أنهم لا يزنون .
{وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً} [الفرقان: 68] أثاماً مثل: نكالاً وَزْناً ومعنىً ، والآثام: عقوبة الإثم والجزاء عليه .
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)
كيف نفهم مضاعفة العذاب في هذه الآية مع قوله تعالى في آية أخرى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] .