المتعبدون بالليل يقربون إلى نوق الأبدان خيط الرقاد فإذا تناولت سد الفاقة رفعت رؤوسها فإذا الدليل على الجادة فتأخذ في السير من النجوم الجواري مؤذن ومنها مقيم، فأرباب العزائم يؤذن في محلتهم بليل ويقام لهم أول الوقت ومن دونهم يصلون في أول الوقت وأهل الفتور في آخرة.
إذا هجمت جنود الرقاد على العيون صاح حارس اليقظة بالمتعبدين الصلاة خير من النوم وهتف رقيب المعاتبة كذب من ادعى محبتي حتى إذا جنة الليل نام عني فيصيح المشتاق
سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم ... هل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان
ثم تمر بالمجتهدين سيارة النجوم فيبعثون مع كل فيج رسالة فتسلم أخباره إلى ركب السحر فتهب لمجيئها رياح الأسحار فيقول المنتظر إني لأجد ريح يوسف. سبحان من أنعم على الموجودات بإيجادها من غير طلب فلما وجدت بسطت أكف السؤال لطلب تكميلها، فالأجنة في بطون الأمهات تطلب تكميل الخلق، والبذر تحت التراب يطلب قوته من الري، ومخ الثمار ينتظر من فضله كمال نضجه، ومراكب البحار تحريكها بالرياح، وأصحاب البضائع ينتظرون وجود الأرباح عليهم، وطلاب العلم يسألون فتح منغلق الفهم، وأهل المجاهدة يرومون المعاونة على الطبع، والمظلوم يترقب طلوع فجر النصر، والمريض يتململ بين يديه طلبا للطفه، والمكروب ينتظر كشف ما به، والخائف يترقب بريد الأمن، والأبدان المتمزقة في اللحود تنتظر جمع الشمل بعد الشتات، وعرائس الجنان يسألن سلامة بعولتهن وتعجيل اللقاء، فإذا قام الخلق من أطباق التراب بإنعاش البعث نكس صاحب الزلل رأس الندم طلبا للعفو، ومد العابد يد التقاضي بالمسلم فيه عند حلول الأجل، وحدق الزاهد إلى جزاء الصبر، وأشرف المحب على أطلال الشوق إلى الحبيب، وصاح العارف بلسان الوجد إذ لم يبق وقت للصمت
لي عندكم دين فواعجبا ... الدين لي وفؤادي الرهن
من شاء باهلني باهلته بهم ... وبعد عند ورود الحوض نستبق
وقال غيره:
عدمت دوائي بالعراق وربما ... وجدت بنجد لي طبيبا مداويا
ويا جبل الريان إن تعر منهم ... فإني سأكسوك الدموع الجواريا
ومن جذري لا أسأل الركب عنهم ... وأغلاق وجدي باقيات كما هيا
ومن يسال الركبان عن كل غائب ... فلا بد أن يلقى بشيرا وناعيا
(موعظة أخرى)
إقبال الليل عند المحبين كقميص يوسف في أجفان يعقوب.
لو أحببت المخدوم حضر قلبك في خدمته.
فيا دارها بالحزن إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال