وليحذر الصبي من الكذب غالة التحذير، ومن المخالطة للصبيان المعوجين.
وليوصه بزيادة البر للوالدين، وليحفظ من مخالطة النساء.
فإذا بلغ فليزوج بصبية لم تعرف غيره فينتفعان.
هذه الإشارة إلى تدبير أمور الدنيا.
فأما تدبير العلم فينبغي أن يحمل الصبي من حين يبلغ خمس سنين على التشاغل بالقرآن والفقه وسماع الحديث.
وليحصل له المحفوظات أكثر من المسموعات، لأن زمان الحفظ إلى خمس عشرة سنة، فإذا بلغ تشتت همته، فليضرب تارة، ويرشى أخرى، ليبلغ وقد حصل محفوظات سنية.
وأول ما ينبغي أن يكلف حفظ القرآن متقناً، فإنه يثبت ويختلط باللحم والدم، ثم مقدمة من النحو يعرف بها اللحن، ثم الفقه مذهباً وخلافاً، وما أمكن بعد هذا من العلوم فحفظه حسن.
وليحذر من عادات أصحاب الحديث، فإنهم يفنون الزمان في سماع الأجزاء التي تتكرر فيها الأحاديث، فيذهب العمر وما حصلوا فهم شيء.
فإذا بلغوا سناً طبوا جواز فتوى، أو قراءة جزء من القرآن، فعادوا القهقرى.
لأنهم يحفظون بعد كبر السن فلا يحصل مقصودهم، فالحفظ في الصبا للمهم من العلم أصل عظيم.
وقد رأينا كثيراً ممن تشاغل بالمسموعات وكتابة الأجزاء ورأى الحفظ صعباً فمال إلى الأسهل فمضى عمره في ذلك.
فلما احتاج إلى نفسه قعد يتحفظ على كبر فلم يحصل مقصوده.
فاليقظة لفهم ما ذكرت، وانظر في الإخلاص، فما ينفع شيء دونه. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...