قيل لك: نعم! ولكن مع كل ما مرّ لأجل وُسعة روح الإنسان وتبسط عقله وانبساط استعداده وكثرة وانتشار استفادته من الكائنات.. وأيضاً لأجل عدم المزاحمة والتجزي والمدافعة فِي جهة الاستفادة كنسبة الكلي إلى جزئياته - إذ الكلي بتمامه موجود فِي كل من جزئياته لامزاحمة ولا تجزء - جعل القرآن الكريم جهة استفادة البشر التي هي غاية فذة من الوف الوف غايات السماء والأرض فِي منزلة العلة الغائية كأنها هي العلة بالنظر إلى الإنسان . أي أن الإنسان يستفيد من الأرض عرصةً لبيته والسماء سقفا له والنجوم قناديل والنباتات ذخائر ، فحقّ لكل فرد أن يقول: شمسي وسمائي وأرضي. فتأمل وعقلك معك!
اما كيفيات (وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم) فاعلم! أن نسبة انزل إلى الضمير إشارة إلى أن القطرات انما تُنزَل بميزان قصد وتُرسل بحكمة ، حتى أن كل قطرة محفوفة بنظام مخصوص بأمارة عدم مصادمتها لأخواتها فِي تلك المسافة البعيدة مع تلعب الهواء بها. فيؤذن أن ليست غواربها على اعناقها 1 ، بل زمام كل فِي يد ملَك ممثِّل لنظام ومعكس له.
أما (من السماء) فإشارة باقامة الظاهر مقام الضمير إلى أن الغرض من هذه السماء جهتها لا جِرمها المخصوص. 2
اما (ماء) مع أن المنزل ثلج وبَرَد ومطر ، فإشارة إلى المنشأ القريب للاستفادة (وجعلنا من الماء كل شيء حي) .
أما تنكيره فإشارة إلى انه ماء عجيب شأنه ، غريب نظامه ، مجهول لكم امتزاجاته الكميوية.
أما فاء (فاخرج) الموضوعة للتعقيب بلا مهلة مع المهلة بين نزول الماء وخروج الثمر فتلويح إلى فـ"اهتزت الأرض وربت واخضرت وانبتت من كل زوج بهيج فاخرج". أما نسبة"أخرج"إلى الضمير فإشارة إلى أن خروج الثمار ليس بتولد وتركب فقط ، بل الصانع الحكيم ينشؤها ويرتبها بصفات وخواص لاتوجد فِي مادتها.
1 الصحيح:"حبلها على غاربها".. راجع الكتب الفقهية فِي بحث كنايات الطلاق والمعاجم اللغوية فِي مادة"غرب" (ب)
2 لأن المقام مقام الضمير ، فإذا عدل عنه إلى الظاهر يكون المراد به غير الأول ... (ب)