قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ امْرَأَةً لَا تُشْبِهُ نِسَاءَ الدُّنْيَا فَقُلْتُ مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ حَوْرَاءُ قُلْتُ زَوِّجِينِي نَفْسَكِ فَقَالَتْ اخْطُبْنِي إِلَى سَيِّدِي قُلْتُ فَمَا مَهْرُكِ قَالَتْ حَبْسُ نَفْسِكَ عَنْ مَأْلُوفَاتِهَا.
قَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْحَدِيثِيّ: مَا مَدَدْتُ يَدِي مُذْ عَقِلْتُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِنَفْسِي فِيهِ نَصِيبٌ وَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْدَعَنَا هَذِهِ النُّفُوسَ بِحِفْظِهَا لَهُ لَجَعَلْنَا عَلَى ذُرْوَةِ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهَا قِطْعَةً.
قَالَ رَجُلٌ لأَحْمَدَ بْنِ خِضْرَوَيْهِ أَوْصِنِي فَقَالَ أَمِتْ نَفْسَكَ تحييها.
قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ لَا تَرْبَحْ عَلَى نَفْسِكَ بِشَيْءٍ أَجَلَّ مِنْ أَنْ تَشْغَلَهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهَا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَالِمٍ الْبِصْرِيُّ: مَنْ صَبَرَ عَلَى مُخَالَفَةِ نَفْسِهِ أَوْصَلَهُ اللَّهُ إِلَى مَقَامِ أُنْسِهِ.
وأَنْشَدَ أَبُو زَيْدِ بْنُ الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ
إِذَا طَالَبَتْكَ النَّفْسُ يَوْمًا بِحَاجَةٍ ... فَكَأنَّ عَلَيْهَا لِلْقَبِيحِ طَرِيقُ
فَدَعْهَا وَخَالِفْ مَا هَوِيتَ فَإِنَّمَا ... هَوَاكَ عَدُوٌّ وَالْخِلافُ صَدِيقُ
(فصل جهاد النفس)
تأملت جهاد النفس فرأيته أعظم الجهاد، ورأيت خلقاً من العلماء والزهاد لا يفهمون معناه، لأن فيهم من منعها حظوظها على الإطلاق، وذلك غلط من وجهين.
أحدهما: أنه رب مانع لها شهوة أعطاها بالمنع أوفى منها.
مثل أن يمنعها مباحاً فيشتهر بمنعه إياها ذلك، فترضى النفس بالمنع لأنها قد استبدلت به المدح.
وأخفى من ذلك أن يرى - بمنعه إياها ما منع - أنه قد فضل من سواه ممن لم يمنعها ذلك، وهذه دفائن تحتاج إلى منقاش فهم يخلصها.
والوجه الثاني: أننا قد كلفنا حفظها، ومن أسباب حفظها ميلها إلى الأشياء التي تقيمها، فلا بد من إعطائها ما يقيمها، وأكثر ذلك أو كله مما تشتهيه.
ونحن كالوكلاء في حفظها. لأنها ليست لنا بل هي وديعة عندنا، فمنعها حقوقها على الإطلاق خطر.
ثم رب شد أوجب استرخاء، ورب مضيق على نفسه فرت منه فصعب عليه تلافيها.