لذلك من شرف أمة محمد أولاً أنه لا يأتي بعده رسول ؛ لأنهم مأمونون على منهج الله ، وكأن الخير لا ينطفيء فيهم أبداً . وقلنا: إن الرسل لا يأتون إلا بعد أنْ يعُمَّ الفساد ، ويفقد الناس المناعة الطبيعية التي تحجزهم عن الشر ، وكذلك يفقدها المجتمع كله فلا ينهى أحد أحداً عن شر ؛ عندها يتدخل الحق سبحانه برسول ومعجزة جديدة ليُصلح ما فسد .
فختام الرسالات بمحمد صلى الله عليه وسلم شهادة أن الخير لا ينقطع من أمته أبداً ، ومهما انحرف الناس سيبقى جماعة على الجادة يحملون المنهج ويتمسكون به ويكونون قدوة لغيرهم . لذلك حدَّد رسول الله هذه المسألة فقال:"الخير فيَّ حصراً ، وفي أمتي نثراً"فالخير كله والكمال كله في شخص رسول الله ، ومنثور في أمته .
ثم يعود السياق إلى الأمر بالصلاة: {فَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة . .} [الحج: 78] لأنها الفريضة الملازمة للمؤمن ، وفيها إعلاء الولاء المكرر في اليوم خمس مرات ، وبها يستمر ذِكْر الله على مدى الزمن كله لا ينقطع أبداً في لحظة من لحظات الزمن حين تنظر إلى العالم كله ، وتضم بعضه إلى بعض .
والمتأمل في الزمن بالنسبة للحق - تبارك وتعالى - يجده دائماً لا ينقطع ، فاليوم مثلاً عندنا أربع وعشرون ساعة ، واليوم عند الله ألف سنة مما تعدُّون ، واليوم في القيامة خمسون ألف سنة ، وهناك يوم اسمه يوم الآن أي: اللحظة التي نحن فيها ، وهو يوم الله الذي قال عنه:
{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] لذلك يقول: ما شغل ربك الآن وقد صَحَّ أن القلم قد جَفَّ؟ قال:"أمور يبديها ولا يبتديها ، يرفع أقواماً ، ويضع آخرين".
فيوم الآن يوم عام ، لا هو يوم مصر ، ولا يوم سوريا ، ولا يوم اليابان إذن: في كل لحظة يبدأ لله يوم ينتهي يوم ، فيومه تعالى مستمر لا ينقطع .