لذلك ، في غزوة بدر لما سمع الصحابي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الشهيد وكان في فمه تمرة يمصُّها ، فقال: يا رسول الله ، أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أُقتل في سبيل الله؟ قال: نعم ، فألقى التمرة من فيه وخرج لتوِّه إلى الجهاد لأنه واثق تمام الثقة أن ما سيذهب إليه بالشهادة خير مما ترك .
أما الذين بَقَوْا ولم يخرجوا ، فمهمتهم أن يحملوا المنهج ، وأنْ يحققوه ، وإلا لو خرج الجميع إلى القتال واستشهدوا جميعاً ، فمَنْ يحمل منهج الله وينشره؟
وجاءءت كلمة الجهاد عامة لتشمل كل أنواع الجهاد ، فإذا ما أثمر الجهاد ثمرته وتعلبنا على الكفر فلم يَعُدْ هناك كفار ، أو خَلَّوْا طريق دعوتنا وتركونا ، وأحبوا أنْ يعيشوا في بلادنا أهل ذمة ، فلا داعي - إذن - للقتال ، ويتحول الجهاد إلى ميدان آخر هو جهاد النفس .
لذلك قال تعالى بعدها: {هُوَ اجتباكم . .} [الحج: 78] يعني: اختاركم واصطفاكم لتكونوا خير أمة أُخرجت للناس ، وثمن هذا الاجتباء أن نكون أهلاً له ، وعلى مستوى مسئوليته ، وأنْ نحقق ما أراده الله منّا .
كما ننصح جماعة من أهل الدعوة الذين حملوا رايتها ، نقول لهم: لقد اختاركم الله ، فكونوا أَهْلاً لهذا الاختيار ، واجعلوا كلامه تعالى في محلّه .
ثم يقول سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ . .} [الحج: 78] يعني: ما اجتباكم ليُعنتكم ، أو ليُضيِّق عليكم ، أو ليُعسِّر عليكم الأمور ، إنما جعَل الأمر كله يُسْر ، وشرعه على قَدْر الاستطاعة ، ورخَّص لكم ما يُخفِّف عنكم ، ويُذهِب عنكم الحرج والضيق ، فمَنْ لم يستطع القيام صلى قاعداً ، ومَنْ كان مريضاً أفطر ، والفقير لا زكاة عليه ولا حج . . الخ .
كما قال سبحانه في موضع آخر: {وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ . .} [البقرة: 220] لكنه سبحانه ما أعنتكم ولا ضَيَّق عليكم ، وما كلَّفكم إلا ما تستطيعون القيام به .