« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا .. ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » ، فليس الإيمان باللّه مجرد كلمة ينطق بها اللسان ، وإنما الإيمان: قول ، وعمل ، إقرار باللسان ، واعتقاد فِي القلب ، وعمل بالجوارح ..
فالدعوة إلى الركوع والسجود - وهما من أركان الصلاة - دعوة إلى الصلاة ، وأمر بإقامتها كاملة ، وأدائها على وجهها ، وما تقضى به من ولاء وخشوع للّه ربّ العالمين: « ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا » .. فالركوع والسجود ليسا مجرد حركتين من حركات الجسد ، وإنما هما - قبل كل شيء - خضوع بالقلب ، وخشوع بالنفس ، وتسربل بحال من الرهبة والخشية للّه ، بحيث يجد الإنسان لهذه الرهبة والخشية ما يندكّ به بناؤه الجسدى ، فيركع تحت وطأة هذا الحمل الثقيل.
ثم لا يلبث أن يهوى ساجدا حتى يضع جبهته على الأرض .. وهنا يجد الرضا من ربّه ، والكرامة والتكريم من سيده .. فيدعوه إلى أن يرفع وجهه عن هذا التراب الذي لصق به ..
وهكذا ، يظل المصلّى بين يدي اللّه ، فِي ركوع وسجود ، وفى خفض ورفع ، حتى يختم صلاته ، وهو متمكن على هذه الأرض ، مسئول عليها استيلاء ذي السلطان على سلطانه! وقوله تعالى: « وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ » هو أمر بالعبادة مطلقا ، فيما فرض اللّه من عبادات غير الصلاة ، كالصوم ، والزكاة ، والحج ، وفيما أمر به من ذكره تعالى ، والجهاد فِي سبيله ، والسعى فِي طلب الرزق .. فكلها عبادات وطاعات وقربات ..
وقوله تعالى: « وَافْعَلُوا الْخَيْرَ » هو أمر بكل خير ، وراء هذه العبادات ، من الإحسان إلى الناس بالقول والعمل ، ومن الحكم بين الناس بالعدل ، ومن أداء الأمانات إلى أهلها .. إلى غير ذلك ما هو خير وحسن ، ومعروف.