وقد صور حال الناس عند البعث وقيام القيامة، وقد اضطرب الوجود، (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَار الَّذِينَ كفَرُوا) "الفاء"واقعة في جواب شرط مقدر، أي إذا جاء الوعد الحق فإذا. . .، فـ"الفاء"و"إذا"الفجائية جواب هذا الشرط المقدر وهي للحال، أي فإذا الحال شاخصة أبصار الذين كفروا، أي واقفة أعينهم لَا تتحرك، فمعنى شخوص العين أنها تفتح فلا تطرف، وذلك يكون في حال الفزع والهلع، وهذا تصوير لحالهم من الفزع فقد شبهت حالهم بحال من تكون أبصارهم شاخصة هلعا وفزعا، والجامع بينهم الفزع.
وذكر الموصول (الَّذِينَ كَفَرُوا) للإشارة إلى أن سبب فزعهم كفرهم، فهو فزع لا يعرف له نهاية لسوء ما قدموا، ولسان حالهم يقول: (يَا ويْلَنَا) فهذا مقول لقول محذوف مفهوم من حالهم، فهم قائلون بلسان الحال: يا ويلنا، ينادون ويلهم، كأنهم ينادون الهلاك؛ لأن هذا وقته، فهم بهذا يتوقعون الهلاك وينادونه كأنهم يستعجلونه، إذ إن من يكون في حال فزع وهلع يرون أن تزول هذه الحال، ولو بنزول الهلاك العاجل؛ لأن حال الانتظار أشد على النفس وقعا وبقاءها مرير مع الهم الشديد.
(قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ منْ هَذَا) أي ربنا كنا غافلين عن هذا البعث، وما كنا نحسب أنه سيكون، وإذا كان لَا يكون بهذا الهول العظيم والكرب الشديد، ثم أقروا بظلمهم (بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) لأنفسنا ولاعتدائنا على المؤمنين، وبكفرنا بالرسل، ومعاندتنا لهم، وقد أكدوا ظلمهم بالجملة الاسمية، وبوصفهم بالظلم وبالإضراب بقولهم: (بَلْ) أي أنهم يُضربون عن قول ويصفون أنفسهم بالظلم المؤكد المستمر، لأن (كُنَّا) للاستمرار في ظلمهم في الدنيا. انتهى انتهى {زهرة التفاسير} ...