قوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ} قال الفرَّاء: تكون"هي"عمادًا يصلح في موضعها"هو"فتكون كقوله: {إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ} [النمل: 9] ومثله {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} [الحج: 46] فجاز التأنيث؛ لأن الأبصار مؤنثة والتذكير للعماد. قال: وسمعت بعض العرب يقول: كان مرة وهو ينفع الناس أحسابهم. فجعل"هو"عمادًا. قال: وأنشدني بعضهم:
بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودرهمٍ ... فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بما هاهنا رأسُ
أراد فهل يرفع رأس بما هاهنا فجعل هو عمادا قال: وإنْ شئت جعلت"هي"للأبصار كنيت عنها، ثم أظهرت الأبصار لتفسيرها كما قال الشاعر:
لعمرُ أبيها لا تقول ظعينتي .... ألا فَرَّعَنِّي مالك بن أبي كعب
فذكر الظعينة وقد كنَّى عنها. انتهى كلامه.
وعلى هذا إضمار على شريطة التفسير أضمر الأبصار، ثم فسرها بقوله: {أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وقد ذكرنا معنى الإضمار على شريطة التفسير وبيَّنا هذه المسألة عند قوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ} [يوسف: 77] من كلام أبي علي.
وقال المبرِّد - في هذه الآية -: قال سيبويه؛ إذا كان الخبر عن مذكر فحق الاضمار أن يكون بعلامة التذكير نحو قوله: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا} [طه: 74] وكذلك: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} [الجن: 3] تقديره: إن الأمر هذا، وإذا كان الخبر عن مؤنث يصلح أن يكون الإضمار بعلامة التأنيث ويكون تقديره: القصة نحو قولك: إنها أمَةُ الله خارجة، وإنَّها دارك خير من دار زيد، أي القصة كذا، ولو قلت: إنّه دارك، أي: إن الأمر، كان جيدًا بالغا، وإنما مِلْت إلى الضمير الذي يدل على القصة ليُنْبئْ عن أنَّك تريد أنْ يذكر مؤنثًا
وهذا قول ثالث في هذه الكناية.
وقد يكون التقدير في الآية: فإذا القصة شاخصة أبصار الذين كفروا، أي: القصة أنَّ أبصارهم عند ذلك تشخص كقوله: {لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42] وقد مر.